الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

تفاعل مأساوي

سلوكنا المعتاد هو تتبع أحداث القصة ومحاولة اكتشاف المعنى، أي أننا لا ننشغل بغير الكلمات المخطوطة، فتتجلى لنا دوما كبلورات نسعى إلى تقليبها وإعادة تقليبها، وفي كل مرة تعكس لنا وجوها جديدة للحقيقة.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/08/03، العدد: 10354، ص(15)]

لماذا نقرأ الرواية؟ ألنستكشف التواريخ والجغرافيات والأعلام والعادات، ونحصّل المعارف، أم لنفارق الوقائع إلى الخيالات، ونهيّئ أنفسنا للحلم؟ وهل قراءة الرواية فعل مجاوز لتقاليد حسيّة من قبل للوقوف أمام رفوف المكتبات، والجلوس للمكاتب، والتمدد على الأسرة لتصفح الورق، وملاحقة المقاطع والفصول، والشرود في أوهام يقظة؟

طرحت ما يشبه هذا السؤال على زملائي في ندوة “الرواية العربية وآفاق الكتابة الرقية” التي التأمت الأسبوع الماضي بموسم أصيلة الثقافي، كانت القناعات تتوزعها رؤية متحمسة لما يمكن تسميته بالرواية التفاعلية، وأخرى لا ترى في هذا المنزع الشكلي المستحدث سوى موجة تجريبية عابرة. بيد أن الجميع كان على اعتقاد راسخ بأن الكلام عن هذا النوع الروائي، عربيا، يفوق كمّ ما أنجز من نصوص، والمرة الوحيدة التي أعلن فيها عن جائزة للرواية التفاعلية العربية، عرفت ترشّح عمل وحيد، ما يدفع إلى التفكير بأن هذا المنتوج الإبداعي الرقمي تنطبق عليه إلى حد كبير تسمية الظاهرة النصية “ما قبل الرقمية” (بتعبير سعيد يقطين) أكثر من النص التفاعلي.

وبالعودة إلى سؤال الدافع إلى قراءة الرواية، نجد أن الرواية التفاعلية سعت منذ البداية إلى تحويل السفر المرئي إلى متاهة تحدوها رغبة في الاستكشاف لا تحصيل المتعة، وهي شيء قريب من تشعبات الشبكة العنكبوتية التي تنبني على لعبة الإفضاء من الأصول إلى الفروع، وعبور البوابات والمواقع، دونما حد ولا نهاية، فتتحلل طاقات الفتنة السردية وتستنزف.

هل لذلك صلة بكون هذا النوع الروائي/المابعد حداثي لا صلة له في الأساس بمبدأ القارئ وإنما بالمبحر/الزائر الذي ليس بإمكانه تقسيط يوميات القراءة وترتيبها، وإنما الانجراف وراء خيوط الترابط المضللة؟، لا أملك جوابا بعد. ما أعرفه هو أن الرواية العربية التي اتصلت بالمجتمع الحديث وبالمطبعة، تمكنت من تحويل العوالم الرقمية والكمبيوتر والإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي إلى موضوع أثير للتأمل والتفكير وتخييل اللعنات ومفارقات الإنسانية قبل أزيد من عقد من الزمان، منذ رواية “بنات الرياض” للسعودية رجاء الصانع التي طبعت العشرات من المرات ونقلت إلى لغات شتى، إلى رواية “هوت ماروك” التي صدرت في هذه السنة للمغربي ياسين عدنان وقد نفدت طبعتها الأولى في أسابيع قليلة. كان الموضوع واحدا هو هذا العالم الشبكي المرعب الذي حول “التّفاعل” إلى لعنة بجوهر مأساوي.

وفي كتاب “الروائي الساذج والحساس” يتحدث أورهان باوموق عن أننا نقرأ الرواية سواء اشتملت على الكثير من السرد والأحداث أو على مجرد عوالم وصفية، دائما بنفس الطريقة، سلوكنا المعتاد هو تتبع أحداث القصة ومحاولة اكتشاف المعنى، أي أننا لا ننشغل بغير الكلمات المخطوطة، فتتجلى لنا دوما كبلورات نسعى إلى تقليبها وإعادة تقليبها، وفي كل مرة تعكس لنا وجوها جديدة للحقيقة.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر