الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

سذاجة الحبكة وسذاجة الكتابة

تحويل المقال النقدي إلى قصة قصيرة، قد يكون ابتكارا طريفا، وقد يكون شكلا أو نوعا أدبيا يثير اهتمام البعض، ولكن لا يجب أن يصدّق كاتب وكاتبة مثل هذه المقالات، أنهما كتبا نقدا سينمائيا.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/08/03، العدد: 10354، ص(16)]

اعتاد جمهور السينما العربية بشكل عام، على نوع بسيط ومبسط من الحبكات الفيلمية التي شاعت في الغالبية العظمى من إنتاجات السينما العربية، الأمر الذي ترك تأثيرا واضحا على ذوق هذا الجمهور، كما قلل كثيرا من قدرته على استقبال الأعمال السينمائية الأكثر تعقيدا وتركيبا في الفن السينمائي.

وعندما نقول “التعقيد”، فليس المقصود أن يكون العمل السينمائي معقدا في موضوعه، يميل إلى الغموض والإبهام ويستغلق على الأفهام، بل المقصود أن يتمتع الفيلم بما يعرف بـ”تعدد المستويات”، وبشخصيات ذات أبعاد عميقة، تجعل صورتها المنطبعة على الشاشة تتسلل إلى الجمهور ليتعرف فيها على ما لا يراه عادة في الواقع إذا اكتفى بالتطلع إلى هذه الشخصيات من السطح الخارجي.

إن البناء الفني المركب الذي لا يكتفي بقشور المواقف والشخصيات والأحداث، ولا يختزل الشخصيات في عدد من الرموز والمعادلات الساذجة المباشرة التي يمكن للمتفرج أن يترجمها على الفور ويتعامل معها طبقا لما هو مختزن في ذاكرته من صور وقوالب نمطية اعتاد عليها، هو البناء الأكثر جمالا ورونقا وسحرا، والذي يكمن جماله في تفاصيله الدقيقة، وفي ما يمكن أن توحي به هذه التفاصيل من أفكار تدفع إلى التأمل والتفكير بعيدا عن التفاعل الانفعالي المباشر مع الحبكة المصنوعة، هذا البناء المركب هو ما يمنح السينما قدرتها على التطور والإدهاش.

لا شك أن غياب مفهوم راق لاستقبال الفيلم السينمائي، هو ما يجعل الغالبية العظمى من أفراد الجمهور، وعددا كبيرا ممن يعتبرون أنفسهم ضمن نقاد السينما أو المتعاملين معها، يرحبون بحماس مثير للدهشة، بأفلام يمكن لأيّ دارس حقيقي للفن السينمائي، سبق له الاطلاع على الأعمال المرموقة في تاريخ السينما، من عصر الفيلم الصامت حتى اليوم، وتوقف أمام المحطات الأكثر بروزا وتأثيرا في مسار تطور هذا الفن، واستفاد من بعض المصادر النظرية، أن يدرك مدى الضحالة والسطحية في مثل هذه الأفلام التي ينبهر كثيرون بها ويروجون لها، ويتوقفون طويلا أمام ما تأتي به من معجزات زائفة، وذلك طبقا لمفاهيم مستقرة مسبقا لدى هؤلاء عن الجرأة في توجيه الانتقادات الاجتماعية، أو الحديث عن الثورة، والربيع العربي، وتعرية السلطة، والاجتراء على المحظور، وكلها أقوال ثابتة تغيب عنها الرؤية العلمية التحليلية، فالمهم كيف يصوغ السينمائي أفكاره، لا كيف يجترها من خلال أشكال بدائية مبسطة.

المشكلة الأخرى تتمثل في أن القادمين الجدد إلى مجال الكتابة عن الأفلام، من مجالات أخرى، ربما كانت ترتبط بالشعر أو بالأدب، أي بكتابة الخواطر الحرة، ينقلون طريقتهم الانطباعية ونظرتهم الخاصة للعالم، إلى ما يسقطونه على الأفلام التي يشاهدونها ويكتبون عنها، بل ومعظمهم يحوّل نقد الفيلم السينمائي، إلى شكل أقرب إلى كتابة القصة القصيرة التي يخلقونها من انطباعاتهم الشخصية الخاصة التي قد تنطلق من تفصيلة صغيرة داخل الفيلم، ربما لا تكون لها أهمية كبيرة، حيث يتوقف أمامها طويلا، ويبني عليها تصوره لمغزى الفيلم دون أن يقيم وزنا لسياقه السردي أو لشكله الجمالي.

والغريب أن الأفلام الرديئة فنيا والمفككة دراميا والتي تفتقر حتى إلى المستوى الأولي في السرد السينمائي، يجدها الكثير ممن يسطرون المقالات الصحافية السريعة، أعمالا “عظيمة”، يتعاملون معها بالعاطفة المباشرة المتدفقة والحماسة الشخصية، دون أن تستطيع هذه الأعمال أن تصمد للمقارنة أمام الأعمال السينمائية الراسخة التي يتفق عليها النقاد والمؤرخون في العالم، بل ودارسو السينما والسينمائيون الذين يتمتعون بثقافة سينمائية حقة.

إن تحويل المقال النقدي إلى قصة قصيرة، قد يكون ابتكارا طريفا، وقد يكون شكلا أو نوعا أدبيا يثير اهتمام البعض، ولكن لا يجب أن يصدّق كاتب وكاتبة مثل هذه المقالات، أنهما كتبا نقدا سينمائيا، ففي مثل هذا الادعاء تضليل شديد، والأفضل أن يعتبرا هذا النوع من الكتابة مجرد استلهامات أو خواطر خاصة، أو تداعيات جاءت من مشاهدة فيلم ما، وسيكون هذا أفضل كثيرا للسينما وللنقد، بل وللكاتب نفسه.

ناقد سينمائي مصري مقيم في لندن

أمير العمري

:: مقالات أخرى لـ أمير العمري

أمير العمري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر