السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

من قلب الخراب

تفاجئني صورة وردة جورية كاد عطرها يفوح من شاشة نقـّالي.. وقد سبقتها عبارة كتبَتـْها إحدى صديقاتي التي تسكن في الكرادة: “لون الورد أجمل من لون الدم!'.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/08/03، العدد: 10354، ص(21)]

أصنع ليلا لأسكن فيه.. وأفترض النسيم عليلا حولي لأتنشقه بانتعاش فأنام.. دروس الإيجابية تحدثني أن عليّ أن أكنس الخراب من حولي وأنتبذ بقعة نقاء أتنفس ملأها لأحيا.. أنفـّذ التعليمات صارمة مثل تلميذة نجيبة.. أغمض عينيّ وأرفع بياض قلبي راية استسلام للهدأة.. وأدخل عتبة الحلم بقدمي اليمنى.. أتشبّث بالإغفاءة بأظافر إصراري وأنا أتّكئ على تعب ذلك اليوم الدامي الطويل لعله يسلم جسدي لراحة سويعات بعيدات عما يدور..

يغازل النوم أجفاني هنيهة.. فيراوغه البعوض وقد عاد ليطن في رأسي ويعيد إليّ مشاهد قيامة اليوم.. وأجفل إذ تلحّ عليّ قدمي اليمنى بعد أن أغرى سكوني بعوضة جائعة!.. أفتح عيني.. وأنا أحك جلدي وأمسح عرقي الذي افترضتُ بتحايل أن لن يكون له من وجود.. يا إلهي!.. أقيامة على الأرض وقيامة في السماء ومطلوب منا أن نعيش؟ أتناول هاتفي النقـّال وأفتح شباك التكنولوجيا لعلي أجد فيه ملاذا يشغل أرقي ويعيد إليّ نومي..

بدا لي الفيسبوك وكأنه مجلس عزاء هائل.. تنفجر بوجهي صور الدم والجثث مرة أخرى فأمرّ عليها سراعا وأهم بقراءة المنشورات التي تقاسمت النواح مع السباب والشتائم.. صفحات تضع آيات قرآنية وأخرى تضع علم العراق.. بروفايلات تتحول إلى سواد، تتوسطه كلمة “حداد”.. حملات للتبرع بالدم لإنقاذ الجرحى ودعوات للتظاهر والاعتصام.. أبحث عن أصدقائي الذين أحب منشوراتهم فلا أجد لهم من أثر.. ثمة من اختار الصمت مثلي أو أنه هجر الموقع وآثر الهرب بعيدا عن الألم.. أغبطهم في سري فأنا لا أجيد التواري..

تفاجئني صورة وردة جورية كاد عطرها يفوح من شاشة نقـّالي.. وقد سبقتها عبارة كتبَتـْها إحدى صديقاتي التي تسكن في الكرادة “لون الورد أجمل من لون الدم!”.. أبتسم بتنهّد وأضع “لايك”.. وأهمّ بقراءة التعليقات التي بدا أغلبها مستاء ينعت صاحبة المنشور بالترف واللامبالاة.. وحتى بالتواطؤ مع القاتلين..

أقرأ ما كتبه أحد أصدقائي الذين غادروا العراق منذ زمن.. منشور ينضح نوستالجيا وبكائيات تتخلله شتائم ضد الحكومة وتوصيات للشعب المغلوب على أمره وشعارات مدرسية جوفاء تتحدث عن حب الوطن.. يستبدُّ بي الغضب والقرف ولا أتمالك أصابعي وهي تضع التعليق “عن أي وطن تتحدث أيها المتفرج البعيد؟.. تعال إلى هنا.. وذق قليلا من طعم القيامة لتفهم معنى كلمة وطن!”.. أعيد قراءة التعليق فأشعر بالندم وأحذفه.. وأترك هاتفي لأعود إلى محاولات النوم من جديد.. أفكر أنني لم أضع منشورا حتى الآن.. فأنا في حيرة وأجد الصمت أبلغ..

أفكر.. كم ذقنا من كوارث وكم طال صبر العباد بينما الموت يراود هذي البلاد عن عمرها دهرا؟ تقول أمي بأنها ولدتني على ضوء فانوس وعلى صوت هدير القنابل.. فاتتني حروب كثيرة اندلعت وانتهت قبل أن أرى النور.. وها أنني أشهد المزيد منها في كل يوم جديد حتى كفرت بفكرة الوطن.. أحتاج وطنا يحنو عليّ ويحضنني مثل حبيب ساحر لا وجود لمفردة الموت في قاموسه اليومي.. لا أريد لعمري أن يضيع مثل عمر أمي وأبي..

تلكز أفكاري رنة رسالة على نقالي.. أفزع وأحاول قراءتها بسرعة خشية أن تضمر خبرا سيئا.. فإذا بصديقتي الساهرة مثلي تسألني إن كنت مستعدة لمظاهرة الجمعة القادمة.. فأجيبها بلا تردد “نعم.. بالتأكيد..”.

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر