الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

كيف تكون فاسدا متفوقا

الفساد ليس له دين ولا ملّة، ولا حزب ولا حركة، ولا طائفة ولا جماعة، وإنما له عقيدته الخاصة الجاهزة للتحالف مع الجميع.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/08/03، العدد: 10354، ص(24)]

حتى تكون فعلا من الفاسدين المتفوقين الناجحين، عليك أولا أن تقنع نفسك وتبرمج عقلك على أن أفضل علاج للكساد هو الفساد، وأن نجاح جماعة في الفساد أفضل بكثير من فشل شعب في الإصلاح، وأن الفساد لا يدمّر الاقتصاد ولا يضرّ بمصالح العباد، ولا يطيح بمكانة الدولة ولا باستقرار البلاد، فإذا كنت من دول الربيع البديع، فأنت أمام فرصة تاريخية لتكون في مقدمة الفاسدين، أولا لأن الفوضى تساعدك، والانفلات يحميك، والانقسام المجتمعي يعطيك مساحة مهمة للحركة، وثانيا لأن النظام السابق مضى إلى غير رجعة، والنظام الجديد مازال لم يثبّت قواعده بعد، لأن المتنافسين على الحكم كثر، والمتصارعين على النفوذ شيع وأحزاب، وأصحاب المصالح المتناقضة يحتاجون إلى المال ولو كان متأتيا من الفاسدين أمثالك.

ولا تنسى أن الفاسد الموهوب والناجح والمتميز هو من يُفيد ويستفيد، ومن لا يحتكر الفائدة لنفسه، وإنما يوزعها على المحيطين به، طالما أنه يحتاج إلى حزام أمني، وإلى رعاية حزبية، وإلى تأثير في الساحة القضائية، إلى جانب قدرة على اقتحام المسالك الحكومية لوضع اليد على الصفقات التجارية بأساليب توحي بالنزاهة والشفافية، وحتى إلى علاقات خارجية، ومنافذ دبلوماسية، باعتبار أن الفساد ظاهرة عالمية، ولا يقف عند الحدود المحلية.

ولا تنسى كذلك أن الإعلام في حالة انفلات، وكونه سلاحا مهما في تحديد الاتجاهات وفي حسم نتائج الانتخابات، فمن حقّك أن تخترقه بإمكانياتك المادية، وتجعله في خدمة من يمنحك الغطاء السياسي ويمنع عنك الملاحقة القانونية، على أن تكون في مقدمة من يرفعون شعارات الوطنية والدفاع عن مبادئ الحرية والديمقراطية، فذلك من الشروط الأساسية لتكون فاسدا ذا مواقف تقدمية.

والحذر الحذر من أن تسجن نفسك في أحد الاتجاهات العقائدية، لأنك قد تجد نفسك اليوم بين النخبة الليبرالية، وقد تفرض عليك الظروف أن تخدم مصالح الأحزاب الدينية، أو أن تلتجئ إلى القوى اليسارية، فالفساد ليس له دين ولا ملّة، ولا حزب ولا حركة، ولا طائفة ولا جماعة، وإنما له عقيدته الخاصة الجاهزة للتحالف مع الجميع.

وحتى تكون فاسدا من الطراز الأول، كن كريما مع من يحميك ويراعيك ويدعمك ويواليك، وكن صادقا مع شركائك ولا تتآمر على نظرائك، وشكّل لنفسك شبكة طلائعية في كل الدوائر الحكومية، واقترب بالتواضع والعطاء من الفئات الشعبية، وتبنّ الأعمال الخيرية والإنسانية، وكن أفضل من يطرح نفسه مدافعا عن المبادئ الأخلاقية، وأعط للوقت ما يستحق من أهمية، فهو كالسيف إن لم تقطعه بنضالك في ساحات الفساد، قطعك بتحويلك إلى واحد من عامّة الناس يعاني العوز والحاجة والكساد.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر