الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

مفهوم 'التطرف السريع' وأزمة التفسير الأوروبي

التفسيرات الجزئية التي تقلل من شأن السياسات الأوروبية في مجال الهجرة تشكل وقودا بشكل غير مباشر لنزعات العنصرية والتطرف المضاد في المجتمعات الأوروبية، وتقدم المسوغات الثقافية والسياسية لتيار اليمين المتطرف.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/08/04، العدد: 10355، ص(8)]

في أعقاب العمليات الإرهابية التي ضربت بلجيكا وفرنسا في الفترات الماضية، وأودت بالعشرات من القتلى والجرحى وخلقت مناخا سياسيا وثقافيا متوترا، بالنظر إلى توالي تلك العمليات من جهة، وتقارب توقيتها من جهة أخرى، ظهرت تحليلات كثيرة في الصحف والمنابر الفرنسية والأوروبية حاولت مقاربة تلك العمليات وإيجاد تفسير لها، وشاعت مفاهيم محددة من مثل “التطرف السريع”، و“تطرف القرب”، و“التطرف العابر”، وسواها.

نتجت تلك المفاهيم عن ملاحظة طبيعة العمليات الأخيرة، وشخصيات منفذيها، وقراءة الخلفيات الاجتماعية والسياسية لهؤلاء المنفذين.

فمن خلال عمليات الرصد التي قامت بها وسائل الإعلام تبين أن المنفذين شبان ينتمون إلى الجيل الثالث أو الرابع من المهاجرين المسلمين في أوروبا، ليست لديهم خلفيات معينة في الجماعات الإسلامية المتطرفة، ولا سوابق في السلوك المتطرف ذي الطابع الديني. وفي الوقت الذي تتوفر فيه أجهزة الاستخبارات والأمن على معطيات حول أشخاص تم وضعهم في خانة التطرف، بسبب الانتماء الديني أو محاولات الهجرة إلى سوريا للقتال في صفوف الجماعات المسلحة، أو من العائدين من ساحات القتال، فإن غالبية منفذي العمليات الأخيرة لم يكونوا في أي من تلك الخانات، ولم يتم رصدهم من طرف تلك الأجهزة، ما جعل الكثير من الباحثين والإعلاميين يضعونهم ضمن خانة المتطرفين العابرين، الذين تحولوا إلى التطرف الديني بشكل مفاجئ كان من الصعب التكهن به سلفا.

وقد تعرض مفهوم “التطرف السريع” لانتقادات من لدن بعض الباحثين، الذين ذهبوا إلى ضرورة البحث في الصيرورة الاجتماعية والسيكولوجية لهؤلاء المتطرفين الجدد، والسياقات الاجتماعية التي ولدت لديهم نزعة التطرف بشكل صامت وتدريجي، دون أن يثير تطرفهم انتباه أحد، بمن في ذلك أفراد عائلاتهم ومقربيهم. وبناء على ذلك اعتبر هؤلاء أن هناك ظروفا داخل البلد الذي يعيش فيه هؤلاء أنتجت لديهم نزعة التطرف تجاه المجتمع ومؤسساته، وأن الجانب الديني لا يشكل إلا واحدا من مستويات هذا التطرف، ولا يقدم وحده تفسيرا كاملا للظاهرة.

تعكس كثرة المفاهيم التي راجت في أوساط الباحثين في الظاهرة الإرهابية في أوروبا في الفترات القليلة الماضية ـ التي تتسم بطابع التجريب بشكل عام، ولا تخضع لاختبار علمي يأخذ بعين الاعتبار مجموع المعطيات المتعلقة بالوسط الذي يعيش فيه الشخص المتطرف ـ أزمة في الفكر الأوروبي المعاصر في تعامله مع هذه الظاهرة. وبحسب أحد الباحثين، وهو إسماعين لاشر، من المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية بباريس، فإن هدف هذه المفاهيم السريعة – التي تريد تقديم “تفسير سهل ومبسط” – هو التأكيد على ما يسميه “الاستقرار البيولوجي” لدى الفرد المتطرف.

والواقع أن هناك نزعة استشراقية كامنة وراء هذا السعي المحموم إلى إيجاد تفسيرات معزولة عن المحيط الاجتماعي والسياسي لظاهرة الهجرة، بحيث يتم فصل ظاهرة التطرف عن محيطها المنتج لها من جهة، وربط التطرف بالمهاجرين العرب والمسلمين من جهة ثانية، على أساس أن التطرف هو من نتاج الجيل الجديد من المهاجرين الذين فشلوا في الاندماج في الثقافة الأوروبية، الأمر الذي يقود إلى شيطنة المهاجرين بشكل عام.

مظهر هذه الأزمة في الفكر الأوروبي حيال قضية الإرهاب والتطرف أنه بالرغم من تقدم العلوم الاجتماعية ومناهجها، والإصرار على رد كل ظاهرة إلى البنية الاجتماعية التي تتحرك في سياقها، فإنه يسعى إلى التنكر لهذه المنهجية في تعامله مـع هذه الظاهـرة.

وليس مغالاة القول إن مثل تلـك التفسيـرات الجزئيـة ـ التي تقلـل من شأن السياسات الأوروبية في مجال الهجرة ـ تشكل وقودا بشكل غير مباشر لنزعات العنصرية والتطرف المضاد في المجتمعات الأوروبية، التي باتت ملحوظة اليوم بعـد العمليات الإرهـابية الوحشية التي هزت المجتمع الفرنسي، وتقـدم المسـوغات الثقـافيـة والسيـاسيـة لتيـار اليمـين المتطـرف، الـذي يركب على مثل هذه التفسيرات التي تتجه بأصابع الإدانـة إلى فئة معينة مـن المجتمعات الأوروبية، هي فئة المهاجرين.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر