الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

الشاعرة العمانية عادلة عدي: قدر المرأة أن تصرخ

  • تأخذ الشعراء اللّحظة الكونية العدمية، ويسكنونها حتى لا تفلت من بين أيديهم، إنها اللحظة التي تتشكّل في اللاوعي لتخلق وعيا مضافا، وترسم طريقا لنجاة الروح والشعر معا. ضيفتنا عادلة عدي شاعرة من سلطنة عمان بجّلت اللحظة الشعرية وسكنتها وكتبتها، التقتها “العرب” في حديث حول تجربتها وحول بعض القضايا الثقافية الأخرى.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/08/04، العدد: 10355، ص(15)]

اللحظة قادرة على أن تكون حياة

أصدرت الشاعرة العمانية عادلة عدي مؤخرا كتابها “المسكونة باللحظة” عن دار مسعى البحرينية، مختارة تقديم تجربتها الأولى للقرّاء على شكل شذرات أشبه برصاصات من اللغة، قسّمتها بين رصاصة في الجيب، ورصاصة طائشة ورصاصة في القلب، وبين هذه الرصاصات الثلاث وضعت مذكرة شخصية للمرأة التي جاءت مثل صرخة مدوّية في وجه الحياة.

عادلة عدي من مواليد مسقط 1978، تحديدا في روي المدينة الصفراء التي صبغتها ذاكرتها الطفولية بهذا اللون، وتقيم حاليا في نزوى، مدينة العزلة والصمت، حسب تعبيرها، حيث لا تشارك في أي مؤسسة ثقافية في عُمان أو خارجها. تقول “لست نشيطة ثقافيا، بسبب بعدي عن مسقط التي تتمركز فيها الأنشطة الثقافية، على الرغم من أن نزوى التي أسكنها الآن عاصمة الثقافة، وأيضا لأسباب أخرى تعود لانعزالي عن الأنشطة ذات الصور الشكلية”.

المسكونة باللحظة

تحدّثنا عدي عن كتابها “المسكونة باللحظة” تقول “لم تكن مناخات ‘المسكونة باللحظة’ سوى تجميع لألبوم صور الأحداث واليوميات التي مررت بها خلال ما يقارب الثماني سنوات التي مضت، أو أكثر، على شكل جمل عن رؤى خاصة بي، فالشذرات والمقاطع التي قمت بنشرها في هذا الكتاب هي جزء من حصيلة إدماني اليومي على الكتابة لأي فكرة تخطر ببالي، فكل ما هنالك أنني أعتبر الكتابة كالكاميرا، أحملها دائما معي، وتخرج الصور على شكل حروف، قد تتسم بالغموض أحيانا ولكنها في الغالب صور لمشهد ما ترك أثره في ذاكرتي الكتابية، وما أقصده أننا حين نكتب عبارة أو تعليقا لمشهد أمام أعيننا نحاول تخزينه في الذاكرة، فالمشاهد اليومية والفكرة تهز دواخلنا، فتأتي الكتابة لخلق فكرة فريدة من نوعها ومثيرة للدهشة بصورة شذرة، أو رصاصة كما يحلو للشاعر خميس قلم وصفه لمقاطع وجمل المسكونة باللحظة”.

تتابع ضيفتنا “إنها محاولة مني لتصوير ذاك الشعور الغامض الذي اعتراني لحظتها، فأدخل لأجل تلك اللحظة عالم الخيال والذات من أجل تصوير واقع اليوميات والآخر، ومن المثير أنني خلال كتابتي لتلك الجمل والشذرات لم تكن لدي أي رغبة في أن أنشرها في كتاب، بقدر ما كانت رغبة في نقل الفكرة والوجع والذات في صورتها الحرفية من الذاكرة إلى المسودة، فمن عاداتي البحث عن الغربة في الولادة الأولى للفكرة، كأن أتركها تفقد موطنها، وأجرّدها من كل الامتيازات، حتى تكون هائمة منفردة، ثم أضعها على الورق، هناك حيث يلتقي المبعدون والغرباء والمختلفون والمنعزلون وجها لوجه بصمت دائم”.

شذرات “المسكونة باللحظة” تقف على باب الذاكرة باعتبارها حياة سردية في مشهد سينمائي، يطول أحيانا، ويقصر في أحايين أخرى. فهو يمتد من لحظة الولادة الساذجة للتأمل اليومي حتى يستكمل نفسه في صورة أسئلة فلسفية كبيرة مسكونة بالعدم وبالوجود معا. وكأن الشاعرة تؤمن بأن اللحظة قادرة على أن تكون حياة.

الثورة وما خلفته من تصادم مع الأفكار الكهلة والتقليدية أحدثت نوعاً من العزيمة والإقدام عند الشعوب العربية

وعن ذلك تقول ضيفتنا “أجد أن اللحظة قادرة على أن تُجعلك تعيش زخم الحياة بكل تفاصيلها، فمتعة الخيال في القدرة على جلب كل المشاهد التي ترغب بها في لحظة، والحياة في اللحظة مثل الوجع في الذاكرة، عن شوق، عن فقد، عن حضور، مثل الصور التي تنبض بالحياة، وأنت تستمتع عن طريقها بالشعور بالحنين أو الفرح، أو استحضار الوجع والحزن، كنوع من التوازن والتواصل غير المرئي بين دواخلك، وما يحدث مع ما حولك، فمنبع الإبداع هنا متمثل في خلق التناغم بين الفكرة واللحظة والفعل، وما عليك إلا التعمق فيها حتى تنزع عنك تلك الرغبة الطامعة بالقادم بعدها، وما العدم والوجود هنا سوى نوافذ لها، كيفما تفكر كيفما تنفتح على مصراعيها أمامك، تلك المساحة الفاصلة بين الرغبة بالعيش أو التلاشي، يحلو لي كثيرا تشبيهها بحالة من الخدر أو الغفوة الواعية، وقد تشاركها مع آخرين أو تعيشها لوحدك في عزلة”.

مذكرة صرخة

في بعض الشذرات يلمس القارئ أفواه النساء جميعا تنطق من خلال حروف عادلة، فمثلا، في نص “مذكرة صرخة” نواجه سيرة للمرأة في صورة صرخة مكلومة مخذولة، وكأنها تكتب سرّة المرأة في سيرة الصرخة.

تعلّق عادلة عدي على هذا الرأي قائلة “بما أن المجتمعات لدينا تعودت على أن الصرخة دائما تنبع من المرأة أتت مذكرات الصرخة المكتوبة في الكتاب شبيهة بوجعها وما تعانيه في حياتها، بمعنى الصرخة المتوجعة أو المكلومة، مثلما تفضلت وقلت، صرخة مشحونة بالتعابير القلقة والتساؤلات الوجودية عن حياتها، هموم المرأة، والتبيعات التاريخية والمجتمعية، تجعلها أكثر قدرة على إطلاق الصرخة، أو لنقل الطريقة الوحيدة التي أجبرت بسببها على أن يلتفت الآخرون لوجودها حين تتألم وتتوجع″.

مقاطع وجمل مسكونة باللحظة

أكثر ما يؤرق شاعرتنا عادلة موت الدهشة، وأن تجد نفسها معتادة على شيء ما، وتخشى أن تنتمي إلى أي شيء لأجل الانتماء فقط، فالانتماء –حسب تعبيرها- أصبح يعني أن تكون لديك حدود للتعامل مع فكرتك.

أخذنا الحديث لمنطقة رأي النقاد في المنجز الشعري الجديد، وكيف أنه يؤخذ عليه غياب القضايا القومية والوطنية الكبيرة، واهتمامه بشكل مباشر بكل ما هو مشخصن ضمن تجربة الشاعر أو الشاعرة في حدودهما اليومية.

عن ذلك تعلّق عادلة “ربما الإشكالية تكمن في بحث الناقد عن الوطنية والقومية في النصوص الجديدة والقديمة ليعلق فيها أسباب انتكاسة الأوضاع العربية، يا سيدي العزيز، إن الفرد في بعض المجتمعات العربية والخليجية خاصة لا رأي له في كل القضايا السياسية والاقتصادية، كل ما هنالك قوانين ومراسيم تصدر كي يتم تنفيذها، والكاتب فرد في هذه المجتمعات، تجده غير قادر على الحديث عن رؤيته الخاصة لشيء هو من الأساس يفتقد إليه، ثم لو كان محيط الحرية الثقافية واسعاً سأكون على ثقة ساعتها أن مصطلح القومية والوطنية سيتلاشى ليصبح عالميا”.

ترى شاعرتنا أن “الربيع العربي استفاد منه الفرد الذي كان يخشى الإفصاح عن أفكاره، ولكن بصورة ذاتية، بمعنى أنه استطاع أن يكسر قناع الرهبة والخوف الذي كان السبب الرئيسي لعدم المقدرة في الإفصاح عنها، فالثورة وما خلفته من تصادم مع الأفكار الكهلة والتقليدية أحدثت نوعا من العزيمة والإقدام”.

وفي سؤال ختامي عن رأيها في إمكانية خلق هوية جامعة للمثقف العماني بتعدد أطيافه وانتماءاته بعد زمن الربيع، تجيب ضيفتنا “ما يميز الفرد العماني أنه قادر على امتصاص جميع الثقافات، ومقبل على جميع الأطياف، وتلك ميزة وهوية بحد ذاتها، وأتمنى أن تستمر وتنشط أكثر، ولكن ما أتمناه بالفعل أن تكون هذه الهوية مصدّرة وخالقة للأفكار الجديدة، وليست حاضنة للثقافات القديمة فقط، كما أنه من الجيد أن يعترف المثقف العماني بحقه بأن يكون مختلفا ومنفردا برؤيته، فما يحدث الآن أن هناك صراعا بينه وبين بيئته الاجتماعية والعملية التي تحاول أن تنفذ إلى رؤيته الخاصة والتأثير فيها، لذلك نجد أن المثقف العماني يعيش في بعض الأحيان ازدواجية الفعل، فما يرغب به يختلف عمّا يقوم بتطبيقه”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر