الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

قارع الطبل

الفن المعاصر هو من دون شك أكثر دويا من الخواء الذي تكلم عنه دوشان، وهو كذلك أقسى من التخمة، إنه 'قارع الطبل' المذعور الذي يُنذر أو يبشّر بانهيار مفصلي لمنظومة إنسانية كما كنا نعرفها.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/08/05، العدد: 10356، ص(16)]

منذ فترة أقام ستة فنانين إندونيسيين معرضا بعنوان “غرفة الانتظار” خاليا تماما من الأعمال الفنية، مما أحدث استغراب الزائرين قبل أن يدركوا أن “الفنانين” أرادوا لفت النظر إلى أن التواصل البشري في الصالة عبر التقاط الصور و”السيلفي”، ومتابعة شبكات التواصل الاجتماعي هو إنتاج فني بحد ذاته.

وفي “حدث فنيّ” مُشابه عمد شاب من سان فرانسيسكو خلال وجوده في معرض إلى وضع نظارة على الأرض دون أن يشاهده أحد، ثم بعد ذلك لفت انتباه الزوار وهو يقوم بتصوير النظارة وإقناعهم بأنها عمل فني مميز، فما لبث جميع الموجودين أن اقتربوا وصوروا النظارة على أنها تحفة فنية ذات أبعاد مُقلقة.

أوضح الشاب في ما بعد أنه أراد لفت النظر إلى هذه الأعمال الفنية في متحف سان فرانسيسكو للفن الحديث، والتساؤل إن كانت هي تحف رائعة يُساء فهمها، أم أنه يمكن عرض أي شيء على أنه عمل فني معاصر؟

لا شك أن كل شيء، أو أمر، من حولنا بات من الممكن تصنيفه على أنه “فن معاصر”، الكثير من تلك الأشياء، أو الأحوال المُجسدة في الأعمال المعاصرة هي في مُنتهى القبح أو الفجاجة التي تفتقر إلى الذوق أو هي أمور تمكن الفنان المعنيّ، من إظهارها على هذا النحو، وقد اعتمد العديد من الذين كتبوا حول الفن المعاصر على هذه الفكرة أو السمة لانتقاد أو تسخيف الفن المعاصر.

لكن متى تماما بدأ هذا الانحراف عن مسار تصنيف العمل إن كان فنيا أم لا، بحسب درجة جماليته وذلك من وجهة نظر مُنتج العمل، أي الفنان المعاصر؟

أغلب الظن أن ذلك بدأ مع بداية أول مقال نقدي كتب عن الفن-الهجنة، المُسمى بالفن المعاصر كممارسة أولية أطلّت غير معنية بالجماليات ولا بالأخلاقيات.

هل المقصود بذلك إلقاء اللوم على النقّاد الفنيين الذين شجّعوا “التردّي” أو أن اللوم يقع على عاتق الفنانين الذين أمعنوا أكثر فأكثر بعيدا عن كلاسيكيات الجمالية الفنية؟

لا يقع اللوم على أحد، ليكون الفن صادقا مع نفسه عليه أن يكون مرآة لمجتمعه، أما “مجتمعه”، فهو أشبه بسفينة تشرّع أشرعتها الرياح العاتية.

الفنان المعاصر غير ملزم بأن يكون مرآة لهذا المجتمع، ولكن ذلك يتشكل تلقائيا، فمن شدة الضغط يولد الانفجار، ومن عمق الإحساس بالفراغ والوحشة يولد الانفجار، ومن انهيار النظم الأخلاقية يولد الانفجار، شئنا الاعتراف بذلك أم لا. انفجار لا يمكن إظهاره إلاّ في ساحات حرّة قادرة على استيعاب جنون تجليات العصر الذي نعيشه، قبل أن تكون قادرة على استيعاب انعكاساته.

يحدث أن يولد الفن المعاصر الشرق أوسطي كما العالمي تماما، كما تحدث أمور كثيرة قد نرضى أو لا نرضى بها، ثم يُصار إلى تزكيته بقراءات ومشاهدات حيّة وغير حّية لما يجري على ساحات العالم الدامية أو داخل المعارض المُخصصة للفن المعاصر.

تعريف الممارسة الفنية المعاصرة على أنها من ضمن “الفنون الجميلة” لم يعد ممكنا، وذلك منذ منتصف القرن العشرين، وقد يرى البعض أن هذه الاستحالة بلغت أوجها في أيامنا هذه، ولكن من يعرف ماذا يخبئ لنا الفن المعاصر بعد؟

الجمال والخير باتا منذ فترة بعيدة أمرين نسبيين، لا بل هما من أخطر الأفكار على الإطلاق، هذا ما يلقّننا إياه وبمرارة، الفن المعاصر. الفن المعاصر بمجمله هو فن مفهومي في جوهره، لذا يلعب المُتلقي دورا حاسما في هذا الحقل الكهربائي المُسمى بالفن المعاصر: هل يجد ما يقرأه في العمل؟ كيف يقرأه؟ أي جانب يقف إزاءه؟

في كلمات مدوّية يقول الفنان والمفكر مارسيل دوشان “وما الفن في حقيقته إلاّ تلك الحلقة المفقودة.. ليس ما تراه معلقا بين الفراغات هو الفن، الفن هو الفراغ”.

أما الفن المعاصر فهو من دون شك أكثر دويا من الخواء الذي تكلم عنه دوشان، وهو كذلك أقسى من التخمة، إنه “قارع الطبل” المذعور الذي يُنذر أو يبشّر بانهيار مفصلي لمنظومة إنسانية كما كنا نعرفها.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر