الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

باسل السعدي يشكل المعدن مطويا ليرسمه لوحة

  • يقدم الفنان السوري باسل السعدي معرضا لأعمال يُقصي فيها، بفنية وحرفية، التمايز ما بين اللوحة والمنحوتة، إذ يمكن اعتبار ما قدمه مؤخرا في “صالة أجيال” البيروتية، لوحات فنية وأعمالا نحتية على السواء، فالمادة المُستعملة هي المعدن، وهي المقصوصة والمهندسة بدراية دقيقة لتشكل عوالم صغيرة ربما تكاد تكون توظيفا حسيا لأفكار المُنظّر والفنان التشكيلي الروسي الرائد فلاديمير كاندنسكي.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/08/05، العدد: 10356، ص(17)]

فنان سوري يحرر الأشكال من العاطفة حين تكون عبئا

بيروت - حمل معرض الفنان السوري باسل السعدي المولود في بيروت سنة 1971، والذي قدّمته مؤخرا “صالة أجيال” البيروتية عنوان” تحيّة إلى الفنان محمود حماد”، وهو الفنان التشكيلي السوري الرائد الذي كان أول من أدخل الأحرف العربية إلى فضاء لوحته التجريدية، وذلك منذ بداية الستينات من القرن الفائت.

أما أوجه التلاقي أو “التحابب”، إذا صحّ التعبير، في فن الرائد السوري والفنان الشاب باسل السعدي هو هذا الشغف بتصميم تجريدية هندسية رصينة تخرج الأشكال فيها من معناها المُباشر أو المحدود، ولكن في حين سيطرت الشاعرية على أعمال الفنان محمود حامد، رصد الفنان باسل السعدي أشكاله على تقشّف شعوري قد يكون مرده، هذه الرغبة في تحرير الأشكال من العاطفة حين تكون عبئا، أو عندما تكون شبيهة بالأسياج الشائكة التي يستحيل التعامل معها دون الخضوع إلى قوانينها الصارمة.

تحية فنية

هناك أعمال فنية، لوحات كانت، أم منحوتات، لا يحتاج أمامها المشاهد إلى أن يتساءل حول خلفيتها التاريخية، أو عن مسيرة التطوّر التي اختبرها مُبتكرها حتى أوصلته إلى هذا أو ذاك النمط من التعبير الفنيّ.

وهنا يختلف الأمر مع الفنان باسل السعدي، فكلما تعرف مُشاهد أعماله على تطور نصه الفني عبر النوات استطاع أن يُمسك بمفاتيح نصه التعبيري، واستطاع ذلك على مستويين: على مستوى المادة التي اختار أن يستعملها الفنان، وعلى مستوى المضمون الذي اكتنزته تجريدية أعماله.

في سياق معرض سابق للفنان عُرضت مجموعة أعمال لعب فيها الظل دورا مهما، فهو من ناحية سمح بتبيان الهندسة الفراغية التي فرضت ذاتها عبر ظهور الأعمال وكأنها تطوف بعض الشيء بعيدا عن الجدران التي عُلقت عليها، ومن ناحية أخرى جعل من الظل آلية تحرك سمحت للأعمال أن تُرى وكأنها تتقدم أو تتراجع وفق زاوية تسليط الضوء عليها، وبحسب مرور الزائر من أمامها.

في معرض آخر وسابق له قدم باسل السعدي “منحوتات” تشبه خزائن معدنية، حيث شكّل فيها تصاميم هندسية من المعدن والكرتون والجلد الجاف، وكأنها بقايا ذاكرة أو أثار لأغراض تركها أصحابها على مضض أو على عجلة من أمرهم.

نذكر من هذه المجموعة عملا رائعا يحمل عنوان ” قلب عار”، أما أهمية هذا العمل فلا تكمن في جماليته فحسب، بل في مساهمته الكبيرة في تفكيك رموز أعمال الفنان اللاحقة والسابقة.

ليست الأشكال الهندسية التي يوظفها، ووظفها الفنان في أعماله عبارة عن أشكال “شكلية” فحسب، فهي أشبه بمفردات لغة خاصة كتب ولا يزال يكتب فيها نصه الفني.

التجريدي في أعمال الفنان يحيل المشاهد إلى التشكيلي والعكس صحيح، ربما هنا تماما تكمن قوة أعماله الفنية، وهنا أيضا يكمن هذا التلاقي الروحي مع فكر فلاديمير كاندسكي، حيث للأشكال الهندسية روح وإيقاع يخفت أو يعلو حسب تلاقيها وتنافرها مع بعضها البعض، وحيث الأبعاد والأشكال ليست في حضورها الحسيّ فحسب، إنما في إشارتها إلى لا نهائية الاحتمالات وإلى الحياة كما إلى الموت.

اللون عند السعدي لم يخفف من ثقل المعدن، بل أعطاه حيثية مغايرة، فاللون هو الظل في أعماله الأخيرة

رسائل مطوية

بدت أعمال الفنان في مجملها إما كرسائل مطوية، وإما كنوافذ لم يبق منها إلاّ انفتاحها أو انغلاقها بعد أن غابت هي، وإما كتكسرات هندسية رفضت أن تبدو أشبه بتفجرات أو تصدعات فوضوية إثر ضغط ما.

لعبت صلابة المعدن دورا مصيريا في تعبيرية الأعمال، جُمدت اللحظات، اللحظات التي تفضح الانتقال من الوجود إلى اللاوجود، من الانغلاق إلى الانفتاح، فالتشظي والعكس بالعكس، دينامكية معدنية ملونة، هذا أكثر ما توحي به أعمال الفنان، دينامكية شكلها انسياب فكرة أو ومضة شعور ما لمعت في نفس باسل السعدي أثناء الممارسة الفنية.

قد يرى البعض أن إدخال الفنان لعنصر اللون إلى لوحاته النحتية، ساهم بشكل كبير في “التخفيف” من ثقل المعدن المُعتمد في الأعمال، لكن أغلب الظن أن اللون لم يخفف من ثقل المعدن، بل أعطاه حيثية مُغايرة، اللون هو الظل في أعمال الفنان الأخيرة، إنه الظل الذي حضر بوضوح أكثر في أعماله السابقة.

في لوحاته المعروضة في “صالة أجيال” اكتسب الظل ألوانا مختلفة من شأنها أن تعطي معلومات عن نوعية القرابة أو الصلة الموجودة بين أجزاء العمل، هل ثمة تنافر، أم تناغم؟ هل هناك تهميش أم دعم لجزء على حساب الآخر؟ إنه اللون كشكل من أشكال الظل، لذلك ربما ظهرت “مقاطع” الفارغ بين أجزاء الأعمال ليس كسكون، بل كمفاصل عبورية بين الأجزاء.

يُذكر أن باسل السعدي لم يتلق أي دراسة في محترف فني أكاديمي، بل اشتغل على تثقيف ذاته فنيا وبناء نصه الخاص مستفيدا من مشاركاته في ورشات عمل فنية محلية وعالمية مختلفة في لبنان والأردن وباكستان وتركيا وفرنسا وهولندا وألمانيا.

وقد يتساءل الناظر إلى أعمال الفنان الأخيرة عن هيئة أعماله الفنية، إن هي خرجت من محترفه مشغولة بمواد شفافة، أو مُطعمة بمواد شفافة كالزجاج أو الضوء، كيف ستتفاعل حينها مع بعضها البعض؟ وبأي جوّ من الأجواء ستضع مُشاهدها؟

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر