الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

الجنرال العبيدي لن يستطيع إنقاذ الجنرال سليماني وحكومته

مسرحية وزير الدفاع خالد العبيدي كان الهدف منها رفع مفتعل من مكانة الجيش العراقي الذي يأكله الفساد والميليشيات الإيرانية، بعد تصريح عادل الجبير في نفس المقابلة عن ضرورة التفكير، جديا، بمشروع الحرس الوطني.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/08/05، العدد: 10356، ص(8)]

أفضل ما قيل حول واقعة استجواب وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي مؤخرا في البرلمان هو ما كتبه واصف شنون “حاولت الهروب بكل ما استطعت ولم أقاوم. سيارة الهمر العسكرية الأميركية وسعرها 60 ألف دولار، العراقيون يشترونها بـ124 ألف دولار ثم يضيفون إليها مبلغ رشوة 200 ألف دولار لأعضاء البرلمان ورئيسه والوسطاء ليصبح السعر 324 ألف دولار. والدي الأستاذ والمعلم أمضى في خدمة التعليم 42 سنة وراتبه التقاعدي لا يتجـاوز سعر تاير (إطار) همر في العام الواحد، أما الأرامل والأيتام والمعاقون والمستشفيات والمياه الصحية والأدوية والإسكان فمن العار أيضا الإشارة إليهم”.

يجب ألا يذهب الشعب بعيدا، فالقضية ليست هؤلاء الذين يتشاتمون في الفضائيات ويعقدون صفقات فساد في الخفاء، بل إن الحكومة فاسدة هدرت الدم والمال، وكل المسؤولين مشاركون، وعلى المثقف أن يكون فوق التفاصيل حتى لا نقع ضحية السيناريو الذي يعده لنا الفاسدون أنفسهم من فترة لأخرى. مرة مشعان الجبوري يفضح الفساد ويخطف الأضواء، ومرة مقتدى الصدر، ومرة صباح الساعدي، والآن وزير الدفاع خالد العبيدي.

لا أستطيع منح قلمي لهذه المسرحيات التي يقوم بها ممثلون فاشلون للحكومة العراقية. وزير الدفاع السني يفضح زميله السني رئيس البرلمان ويذهب للصلاة في مسجد الإمام الكاظم، أشياء مضحكة. هذه البنية كلها تحتاج إلى تفكيك بصفقة دولية وإقليمية، ثم محاكمة الجميع وإنقاذ الدولة العراقية.

سبق هذه الجلسة انعقاد جلسة بتاريخ 30 يوليو نصابها 250 نائبا لم يصوت على حظر حزب البعث وتفعيل قانون الاجتثاث سيء السمعة مجددا فقط، بل إن القانون يجرم بالسجن كل مَن يروج لأفكار البعث ومنع عودته سياسيا حتى بعناوين بديلة. السبب طبعا هو تصريح وزير الخارجية السعودي في مقابلة على قناة العربية بضرورة إلغاء قانون اجتثاث البعث.

وحتى مسرحية وزير الدفاع خالد العبيدي كان الهدف منها رفع مفتعل من مكانة الجيش العراقي الذي يأكله الفساد والميليشيات الإيرانية، بعد تصريح عادل الجبير في نفس المقابلة عن ضرورة التفكير، جديا، بمشروع الحرس الوطني. السلطة الشيعية وإيران في قلق شديد من الخيال السياسي السعودي الخطير.

توفرت للشيعة فرصة تاريخية لبناء علاقات سلام مع العرب وأميركا وإسرائيل، والبدء بتطوير العراق على أساس صحيح، إلا أن خوفهم من السنة الذين حكموا البلاد منذ تأسيس الدولة العراقية جعلهم يترددون. فالعراق بلد فيه طائفة سنية متفوقة نفسيا وتمتلك خبرات سلطة وحكم، والبلد مجاور للمملكة الهاشمية، ومجاور للمملكة السعودية. إضافة إلى أن السنة لم يكونوا مسرورين بفقدانهم الحكم وعبروا عن ذلك بأكثر من وسيلة.

كل ذلك قاد الشيعة إلى أحضان إيران؛ الدولة القوية التي تمثل عمقا استراتيجيا للشيعة، وإيران طبعا لم تتردد بالقفز على بغداد وامتصاصها ثقافيا وسياسيا واقتصاديا، وهذا أيضا جعل الشيعة يخسرون المبادرة والعلاقة المتينة بواشنطن.

كان عندهم أمل بالاتفاق النووي والتقارب الإيراني الأميركي، هذا كله ذهب أدراج الرياح بصعود نجم رجب طيب أردوغان كزعيم سني شمولي، واضطرار الولايات المتحدة بعد فشل الانقلاب العسكري (المتورطة فيه) إلى تقوية علاقاتها التاريخية مع السعودية، والتمسك بحلفائها الخليجيين ضد خصم ماكر كأردوغان، وأصبح مستقبل الحكم الشيعي مجهولا. فبسبب إيران خسروا الوحدة الوطنية الداخلية، وخسروا فرصة العلاقات العربية، وها هم يخسرون الولايات المتحدة. إنهم ينتظرون حظهم الذي جاء على طبق من ذهب، وضاع على طبق من ذهب.

في الغرب قضية الغش المالي ليست مشكلة مهمة، يستقيل المسؤول ويحاكم ولا يتفاعل الشعب، بينما موت طفل من العطش يعتبر فضيحة تقلب الدنيا. هذه هي الشعوب المحترمة التي تستحق الديمقراطية بمبادئ ليبرالية إنسانية. وليس العراق الذي ينشغل بفضائح مالية لا يُعاقَب عليها ولا يُحاكم أحد، بينما موت أطفال الشرقاط من العطش لا يهز ضميرهم. كيـف يمكن إعطاء ديمقراطية لشعب رجعي بلا توعية ولا مشاعر صحيحة؟

الشاعر نضال العياش يرثي أبناء عمومته “حسين يا صديقي؛ مات محمود ابنُ أخيك عطشا قبل شهر، واليوم تموت أنت بنفس الطريقة، نجوت من داعش ومتّ إعياء بعد أن بلغت مُحشَر الشرقاط الجديد (سايلو الحجاج) ورمز خلاصهِم المُهين”. إن الناس يموتون عطشا في هذه العمليات اللاإنسانية، حيث كل سني داعشي حتى يثبت العكس، والشعب مشغول بدونكيشوت جديد اسمه خالد العبيدي.

السلطة الشيعية خائفة من صفقة تعيد البعثيين بعنوان جديد. فكل شيء ممكن بالنسبة لهم. سخرية الأقدار التي جربوها بأنفسهم تجعلهم يصدقون كل شيء، ويحسبون كل صيحة عليهم. في العام 2002 كان نوري المالكي متسكعا في السيدة زينب بعد أن ضيق عليهم بشار الأسد الخناق وتقارب مع صدام حسين، وعام 2006 المالكي رئيس وزراء يوقع على إعدام أشهر رئيس عربي؟ كيف حدث هذا؟ وإذا كان ذلك ممكنا فكيف لا يمكن تصور عودة المسؤولين السابقين المحترمين بصفقة دولية؟

عمليات تحرير الفلوجة كشف فيها الشيعة عن شيء خطير، الهدف هو “آل سعود” وليس داعش بالنسبة لهم، صواريخ النمر وتهديد قائد لواء أبوالفضل العباس أوس الخفاجي بقصف دولة الإمارات العربية المتحدة، وتلويح الميليشيات للسعودية بأنها الهدف القادم. العرب فهموا جيدا ما يدور بأذهان هذه الغوغاء.

السعودية تركز على سوريا، فهنا العقدة الكبرى للمشروع الإيراني، بها يتم القضاء على حزب الله الإرهابي، وبها يمكن تحقيق السلام مع إسرائيل على أسس العدل والحوار، وبها ينتهي الحلم الصفوي، وبها يتحقق عمق استراتيجي عربي لسنة العراق، وبها نهايـة المشروع الصفوي في بغداد، وبها نهاية الإحباط السني بمعنى نهاية الإرهاب، وبها تتوفر فرصة لنظام إيراني جديد أفضل من ولاية الفقيه. دمشق عقدة الحل، إذا أفلتت من يد العلويين تنفرط المسبحة الشيعية.

بدأت المروحيات تسقط في حلب مما يشي بوجود سلاح أميركي لدى المعارضة وتم به فك الحصار عن حلب وتراجع قوات النظام. السعودية مصرة على رحيل بشار الأسد لأنه مجرم العصر والوحش الذي ليس له مثيل في التاريخ العربي. المشكلة الوحيدة هي أن السوريين السنة لم يتذوقوا الحكم منذ خمسين سنة تقريبا، وهذا يعني أن على العرب مساعدتهم بعد النصر، وإلا سوف يفشلون كما فشل شيعة العراق. بينما سنة العراق طاقم سياسي جاهز معتاد على السلطة، ليسوا بحاجة إلى تدريب، بل إلى موافقة دولية وصفقة جديدة.

الحكومة العراقية بقيادة الجنرال قاسم سليماني خائفة من مشاريع الوزير السعودي عادل الجبير، الذي حاول الحرس الثوري اغتياله ولم ينجح حين كان سفيرا بواشنطن. لهذا يحاولون افتعال فضائح وفقاعات لخلط الأوراق، وهم عندهم علم اليقين أن نهايتهم قد قربت؛ أفول نجم الصفويين في المنطقة واضح جدا.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر