الثلاثاء 28 فبراير/شباط 2017، العدد: 10557

الثلاثاء 28 فبراير/شباط 2017، العدد: 10557

فيلم'البقرة' البداية الحقيقية للموجة الجديدة للسينما الإيرانية

نظام الخميني حافظ على استمرارية السينما في إيران ولكن في ظلّ قيود رقابية مشددة جديدة تتعلق بالملابس وظهور الممثلات واستبعاد معظم أنواع الأفلام بدعوى الالتزام بالشريعة.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/08/07، العدد: 10358، ص(16)]

كان فيلم 'البقرة' أول عمل يدشن السنيما الإيرانية الجديدة

لم تبدأ السينما في إيران مع وصول آية الله الخميني وحزبه الإسلامي المتشدد (أي أنصاره) إلى السلطة ثم انفرادهم بها، فقد كانت السينما الإيرانية مزدهرة أيام الشاه. ولا يصلح القول إن المخرج عباس كياروستامي هو أبو السينما الإيرانية الحديثة وإلا لأغفلنا الفرسان الحقيقيين الذين كانوا روادا في تطوير الفيلم الإيراني ومنحه طابعا حداثيا مع تعبيره عن الثقافة الإيرانية الحقيقية بطريقة يمكن للمشاهدين الإيرانيين أن يفهموها ويستوعبوها.

إن مؤسسي السينما الإيرانية الحديثة (أو الموجة الجديدة) هم داريوش مهرجوي ومسعود كيميائي وهازير داريوش وناصر تقواي وسهراب شهيد سالاس وبارفيز كيميائي وبهرام بيزاي. هؤلاء المخرجون كانوا يعملون في زمن الشاه، وكانوا يصنعون أفلاما دخلت تاريخ السينما في إيران والعالم مثل “البقرة” (1969) لداريوش مهرجوي، و”داش أكول” و”الحصان” و”رحلة الحجر” لمسعود كيميائي الذي مازال يعمل في إيران حتى اليوم وهو في الخامسة والسبعين من عمره، كما لا يزال مهرجوي يعمل وهو في السادسة والسبعين، وقد أخرج أحدث أفلامه عام 2012. وهناك أيضا هازير داريوش الذي يرى نقاد السينما الإيرانية أن فيلمه “جلد الثعبان” (1966) الذي اقتبسه عن رواية “عشيق الليدي تشاترلي”، كان البداية الحقيقية لحركة السينما الإيرانية الجديدة. وقد انتحر هذا المخرج، الذي أسس أول مهرجان سينمائي دولي في إيران (1966)، في العاصمة الفرنسية باريس عام 1995 بعد أن ظل فترة يعاني من الاكتئاب بسبب عجزه عن مواصلة إبداعه السينمائي في بلده بعد أن أصبحت دولة محتلة من قبل اليمين الديني الرجعي الذي أعادها فكريا إلى العصور الوسطى.

قدم بهرام بيضائي (77 عاما) واحدا من أجمل وأفضل أفلام السينما الإيرانية وهو فيلم “الغريب والضباب” ((1976، وفيه يربط على نحو شاعري رقيق بين الأسطورة والتراث والدين، ويعتمد أساسا على تقاليد ما يعرف بـ”مسرح التعزية” الفارسي. وقد أخرج بيضائي 14 فيلما كان أحدثها عام 2009. أي أنه استمر في العمل مثل غيره من جيل المؤسسين بعد تغيّر النظام.

لكن أحدا في الغرب لم يهتم به، فقد طغت “ظاهرة كياروستامي” على الجميع، بعد أن وجد نقاد الغرب أن الأفلام التي يخرجها كياروستامي أقرب إليهم بسبب اشتقاقها من مدرسة “الواقعية الجديدة”، وبالتالي تمّ الإعلاء من شأن كل ما يصنعه كياروستامي حتى لو فشل في الوصول إلى المتفرج الإيراني في الداخل، لأنه كان يغازل عشاق ذلك النوع من السينما “الذهنية” في الغرب، خاصة وأن النقاد الغربيين خاضعون للدوران في فلك “لمركزية الأوروبية الثقافية”، أي يقيسون قيمة كل ما يأتيهم من “الشرق”، طبقا لاقترابه من “المركز″ في أوروبا أو ابتعاده عنه، ومحاولة العثور على أصداء لما يأتيهم من السينمائيين غير الأوروبيين، مما يتردد في سينماهم وأدبهم وموسيقاهم. ولعل هذا كان سببا رئيسيا في الإعلاء بدرجة مبالغ فيها في الكثير من أفلام كياروستامي (وتلاميذه)، والتقليل من قيمة أعمال أخرى قد تكون أكثر أهمية، إلى حد تجاهلها تجاهلا تاما.

باكورة حركة الموجة الإيرانية الجديدة فيلم "البقرة" (1969) لداريوش مهرجوي (مواليد 1939) الذي تخرج من قسم السينما في جامعة كاليفورنيا عام 1964. وتأثر الفيلم بتقاليد الواقعية الإيطالية الجديدة، بطابعه التسجيلي الذي يرصد تفاصيل الحياة اليومية في قرية إيرانية تعاني من التخلف والفقر وسيطرة الخرافات والشعور بالخطر من سكان قرية أخرى مجاورة

بداية الموجة الجديدة

كانت باكورة حركة الموجة الإيرانية الجديدة فيلم “البقرة” (1969) لداريوش مهرجوي (مواليد 1939) الذي تخرج من قسم السينما في جامعة كاليفورنيا عام 1964. ورغم تأثر الفيلم بتقاليد الواقعية الإيطالية الجديدة، بطابعه التسجيلي الذي يرصد تفاصيل الحياة اليومية في قرية إيرانية تعاني من التخلف والفقر وسيطرة الخرافات والشعور بالخطر من سكان قرية أخرى مجاورة، إلا أنه كان يستخدم الواقع المحيط لرواية قصة ذات أبعاد رمزية، لها علاقة بالتراث الشعبي الشفوي الإيراني.

تدور قصة الفيلم حول “حسن”، وهو قروي فقير يمتلك بقرة وحيدة هي التي ظلت على قيد الحياة، بعد أن نفقت كل أبقار القرية، وقد أصبحت أيضا حاملا، وأصبح سكان القرية يعتمدون عليها في الحصول على الحليب، كما ينتظرون أن يصبح مولودها إيذانا بعودة الخير إلى القرية مجددا. حسن يعشق بقرته ويدللها ويعتني بها كما يهتم المرء بطفله الوحيد، يمزح معها، يدللها، يناجيها، يقلدها في الضحك والعبوس، ويشاركها أحيانا، قضم الحشائش، يصحبها إلى السباحة والاستحمام في مياه النهر، ويراقبها وهي تتناول طعامها، يكاد يطير من السعادة.

يظهر ثلاثة رجال يقفون في صمت أعلى ربوة جبلية مرتفعة قريبة، يحدقون من بعيد، يرتدون ملابس موحدة، لا نرى وجوههم في لقطات قريبة قط، ويبدو أنهم ينتوون شرا بهذه القرية المسالمة التي أصبح محور الحياة فيها “بقرة حسن”.

وعندما يغيب حسن ذات يوم عن القرية، تعثر زوجته على البقرة ميتة وقد سال الدم من فمها فملأ الحظيرة. ترى من الذي قد قتل البقرة؟ وما الذي حدث بالضبط؟ هل هم “البولوريون”، أي الأعداء من سكان القرية الأخرى المجاورة؟ هل ماتت البقرة قضاء وقدرا؟ لا أحد يمكنه الإجابة عن هذا السؤال. لكن الجميع يخشون أن يُصدم حسن بالنبأ فيتفقون على إخفاء الأمر عنه، ويقومون بدفن البقرة في البئر القديمة، ويعتقلون شابا يعاني من التخلف الذهني، يقيدون حركته حتى لا يبوح بالسرّ لحسن، ويتفقون على أن يقولوا لحسن إن بقرته هربت. وعندما يعود حسن، يراقبه الجميع من بعيد، من داخل البيوت، ومن وراء الستر، ومن الكوات الصغيرة أعلى المنازل البدائية المشيّدة من الطين، يتفاداه الرجال، وتشيح عنه النساء، خشية أن تفلت من أحدهم إشارة تكشف السر. وعندما يعلمونه بهروب البقرة يرفض تصديق الأمر، ويصرّ على أن بقرته لا يمكن أن تهرب. إنه مؤمن بها وبولائها إيمانا عميقا.

بقرة حسن

يحتجب حسن، ويقيم داخل الحظيرة، يتصرّف مثل البقرة، يمضغ القش مثلها في فمه، يتقمّصها تماما، ويردّد لأصدقائه الذين يتطلعون في ذهول إلى ما بلغه من تدهور بعد امتناعه عن تناول الطعام والشراب، أن البقرة لم تهرب بل هي موجودة وأنه هو بقرة حسن، وأن حسن نفسه هناك فوق السطح، يراقب حتى لا يهجم البلوريون بغتة ليسرقوا البقرة. وعندما تفشل كل محاولاتهم لإقناع حسن بالكفّ عن هذيانه، يقررون نقله إلى مستشفى المدينة، فيقيدونه كما لو كان حيوانا، ويجرونه بالقوة وهو يقاوم، ثم ينهال عليه أخلص أصدقائه ضربا بالسوط، ويسوقه، تماما كما تساق الأبقار، وحينما يصل الغضب بحسن إلى ذروته، يحرر نفسه بقوة من قيوده، وينطلق ليسقط من فوق الجبل ويلقى مصيره.

سميرة مخمالباف مخرجة ممنوعة من دخول إيران

يموت حسن، ويظلّ اللغز قائما. هل البقرة حقيقة أم مجاز، وما معنى أن تفقد القرية البقرة الوحيدة الحلوب التي تجود عليهم بالخير؟ لقد فشل كل عجائز القرية في إنقاذ حسن من حالته عن طريق التعاويذ، ولكن القرية رغم اجتماع أهلها على ضرورة القيام بشيء من أجل إنقاذ حسن، إلا أنهم تعاملوا مع الموقف بقدر من السلبية، فأخذوا يتخبّطون يمينا ويسارا، بل بدوا في وقت ما وكأنهم يصدّقون أن “حسن” لم يعد نفسه بل أصبح بالفعل “بقرة حسن”. ورغم المأساة التي وقعت أمام عيونهم، ما زال أهل القرية قادرين على الاحتفال بعروس جديدة تقوم النساء بتزيينها وإعدادها لليلة العرس.

وجود “حسن” مرتبط بوجود البقرة، وعندما تغيب البقرة، يحلّ حسن في بقرته الغائبة، ويصبح هو البقرة، يتلبسه سلوكها وشخصيتها، رافضا أن يواجه الحقيقة، فالبقرة رمز الحياة والاستمرارية عن طريق الإنجاب، وإذا أقر بموتها فإنه يقر بموته أيضا.

بلاغة الأسلوب

كان أسلوب الإخراج شديد التميز، في استخدام التصوير البديع (بالأبيض والأسود)، في توزيع الكتل والظلال بطريقة موحية، واستخراج كل ما يمكن من دلالات بصرية ورمزية من المكان.. ومن حيث الطابع الواقعي اعتمد المخرج على التصوير المباشر في المواقع الطبيعية، وأشرك أهل القرية الحقيقيين في التمثيل، بعد أن خلط معهم الممثلين المحترفين، وأدار التصوير بحيث جعل الطبيعة الصامتة كأنها شاهد على الحدث، مع استخدام الزوايا المرتفعة، ولقطات “الكلوز أب” القريبة للوجوه، وتصوير العلاقة البديعة بين الإنسان والحيوان، مع بعض الإضافات التي ترتبط بالأسطورة الراسخة في الأدب الفارسي، وتحميل الموضوع أبعادا ميتافيزيقية رمزية.

ولعل من أكثر عوامل نجاح الفيلم وتميزه، ذلك الأداء التمثيلي الرفيع من جانب الممثل عزت الله انتظامي في دور حسن، وهو الممثل الذي سيصبح قاسما مشتركا في كثير من أفلام مهرجوي التالية، قبل أن يغادر إيران بعد وصول الخميني إلى السلطة، ليقضي سنوات في باريس ثم يعود للعمل في إيران تحت القيود الرقابية الجديدة المشددة. والطريف أن فيلمه هذا واجه اعتراضات رسمية كثيرة في زمن الشاه، فقد اتهمه الرقيب بتقديم صورة سلبية عن الحياة في الريف.

وبعد تغير النظام ظل أيضا ممنوعا من العرض إلى أن شاهده الخميني وأبدى إعجابه به، لاعتقاده أنه كان يوجه نقدا شديدا لنظام الشاه في إهماله الريف، كما أنه غالبا، كان يرى أن البقرة هي رمز لحالة إيران نفسها في زمن الشاه، وهو تفسير آخر للفيلم.

حافظ نظام الخميني على استمرارية السينما في إيران ولكن في ظلّ قيود رقابية مشددة جديدة تتعلق بالملابس وظهور الممثلات واستبعاد معظم أنواع الأفلام (الموسيقية والعاطفية والبوليسية.. الخ) بدعوى الالتزام بالشريعة، لكن موجة أخرى من الأفلام النقدية التي تستخدم الرمز والإشارة وتكثر من إبراز الأطفال بديلا عن النساء، ظهرت، وظلت العلاقة بين السينمائيين والسلطة علاقة شدّ وجذب، ولقي الكثيرون العنت والاضطهاد، وفضّلوا العمل خارج البلاد، أو الصمت في الداخل.

ناقد سينمائي من مصر

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر