الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الرابح الأكبر والخاسر الأكبر من تكليف الشاهد

المعطيات الواردة من الزائر الجديد للقصبة تؤكد أن النهضة هي الرابح الأكبر في لعبة سياسية سمجة، الشعب الذي ثار يوما للكرامة والعدالة الاجتماعية هو الخاسر الأكبر.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/08/08، العدد: 10359، ص(9)]

يحيلنا دخول تونس في مسار تشكيل حكومة جديدة تحت عنوان حكومة الوحدة الوطنية إلى سعي الفاعلين السياسيين لخلط الأوراق قصد تطويع توزيع الحقائب الوزارية وفق مآلات المشهد الحزبي الداخلي المتحرّك والقلق في حزبيْ حركة النهضة ونداء تونس.

فلئن كان من الواضح سياسيا على الأقل أن تكليف يوسف الشاهد بتشكيل الحكومة الجديدة يتنزل في سياق تغليب كفّة شقّ حافظ قائد السبسي في حزب نداء تونس، مقابل صيف الغضب الذي دشنته ثلة من الندائيين الرافضين للنموّ المطرّد لشخص النجل، فإنّ التغيير الجديد في القصبة لا يخلو من مآرب سياسية وغنائم حزبية لصالح حركة النهضة.

ولعلنا لا نجانب الصواب إن اعتبرنا أنّ الحراك المصاحب لنتائج ومقررات مؤتمر حركة النهضة لم يغب عن التغيير الحاصل في رأس السلطة التنفيذية.

فبعيدا عن العنوان الدعائي الذي رفعته حركة النهضة خلال مؤتمرها الأخير، والقاضي بالفصل الهيكلي للجانب الدعوي عن السياسي ليتبين لاحقا أن القضية مرتبطة بالتخصّص وليس بالاستقلالية التامة، مثلت أصوات الغاضبين على الأداء السياسي لرئيس حركة النهضة راشد الغنوشي المائل كليا إلى توجهات الباجي قائد السبسي لبنة أساسية في الإتيان بيوسف الشاهد على رأس الحكومة المرتقبة. انبنى موقف الرفض للغنوشي ولسياسته الاستسلامية على أمرين اثنين، الأوّل كامن في ضرورة توسيع التمثيل الوزاري وفق مقتضيات الاستحقاق الانتخابي البرلماني الأخير وحسب الانشقاق في حركة نداء تونس بما يضمن حضورا قويا في السلطة التنفيذية وحضورا أقوى في السلطة التشريعية.

فيما انصب الموقف الرافض الثاني على طبيعة المكتب التنفيذي للحركة حيث يندد مناصرو هذا التوجه بالطبيعة التعيينية للمكتب، داعين إلى سحب مبدأ الانتخاب من مجلس الشورى على المكتب التنفيذي للحركة، معتبرين أيضا أن عملية انتخاب مجلس الشورى وحتى المناصب العليا للحركة شابتها الكثير من المحاباة والانتهازية السياسية وحتّى التزوير.

اختار راشد الغنوشي أن يضرب عصفورين بحجر واحد، فوظّف إسقاط حكومة الحبيب الصيد في توسيع الحضور الوزاري من جهة، وفي تقديم الأسماء الرافضة لتجاوزات المؤتمر أو التي عبرت عن تململ سياسي من نتائج المؤتمر كمرشحين لحقائب وزارية مهمة من جهة ثانية.

القارئ لبيان مجلس شورى حركة النهضة حول بداية مشاورات تشكيل الحكومة يتبيّن له القطع والبتر مع مسار الوجود المحتشم أو الحضور بالغياب في الجسم الحكومي، ويدرك أنّ الحركة باتت حريصة على تأمين التوزير وفق نتائج انتخابات 2014.

وهو توجّه بالإمكان ربطه بالانتخابات البلديّة المقبلة في 2017 حيث تسعى النهضة وفق مصادر متقاطعة إلى الحصول على الحقائب الوزارية الخدماتية على غرار الشؤون الاجتماعية والصحة والمرأة قصد المزيد من الاحتكاك بالمواطن، وهو توجّه سياسي وأيديولوجي يكشف لا فقط عن مرمى لتطويع مؤسسات الدولة لصالح الحزب، وإنما يميط اللثام عن براغماتية سياسية كبيرة حيث يصبح صندوق الانتخاب هو مآل التغيير والتحوير لا خدمة من يقترع من المهمشين والتائهين لهذا الحزب أو ذاك.

تصريحات المسؤولين في حركة النهضة بأنّها ستتحصل على حقائب وزارية أكثر من حقائب آفاق تونس والاتحاد الوطني الحر، تكشف تطلّع الحركة لتبوؤ المنصب الثاني في الحكومة بعد نداء تونس، وهو مكان تفضّله الحركة لأنه لا يضعها في موقع المسؤولية السياسية الأولى، فالشواهد من حكم الترويكا علمت النهضة ألّا تكون في رأس دوائر اتخاذ القرار التنفيذي والتشريعي.

المفارقة في تونس أنّ مفهوم الوحدة الوطنية الذي أقصى حركة النهضة في نهاية 2013 وجاء بالمهدي جمعة في يناير 2014، هو ذاته الذي يأتي بحركة النهضة في 2016 كوصيف وزاري مع نداء تونس، وهي مفارقة تؤكد هلامية المفهوم وسريالية العبارة.

لن نستبق كثيرا النتائج ولكن المعطيات الواردة من الزائر الجديد للقصبة تؤكد أنّ النهضة هي الرابح الأكبر في لعبة سياسية سمجة، الشعب الذي ثار يوما للكرامة والعدالة الاجتماعية هو الخاسر الأكبر.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر