الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

في مفهوم التقدم

هل مات مفهوم التقدم؟ يجب أن نميز بين معنيين للمفهوم و حقلين من الدلالة. فالمفهوم بالمعنى الأيديولوجي الشعاري السياسي.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/08/09، العدد: 10360، ص(14)]

حين طرحنا السؤال عما تبقى من الفكر العربي ذهبنا إلى أن المفهوم الذي حكم وعي المفكر العربي هو مفهوم التقدم الذي أنتج كل الأيديولوجيات الكبرى العربية وأنتج بالتالي كل التصورات حول المستقبل.

إذا ينتمي مفهوم التقدم عربيا إلى عالم ما يجب أن يكون، ما يجب أن يكون عليه العرب كل العرب، وبالتالي انطوى هذا المفهوم على نزعة شمولية في داخله ستظهر في جميع الخطابات دون استثناء.

وأية ذلك أن كل خطاب حول التقدم يطرح فكرة الدولة التي ستنجز هذا التقدم، وبالتالي تصبح أداة التقدم سلطة حاكمة أولا، سلطة مركزية تنفذ مشروع التقدم، فالناصرية التي حكمت مصر لمدة عقدين من الزمن تقريبا، عملت على تطوير مصر تقنيا واقتصاديا وعسكريا واجتماعيا وذلك عبر سلطة دكتاتورية جعلت من الاتحاد الاشتراكي ذراعها السياسي، كانت الإنجازات الصناعية والاجتماعية والعلمية تقدم صورة التقدم المادي للدولة، ودخلت فئات اجتماعية – طبقية فقيرة ومتوسطة عالم العمل والتعليم والإنتاج. وساهمت شخصية عبدالناصر التي اتخذت صورة المخلص لدى أكثرية الجمهور العربي في رؤية التقدم كما هو في التجربة الناصرية، التي انهارت بموته.

لقد أنتج مفهوم التقدم الناصري تلك المقابلة الشهيرة بين التقدمي والرجعي، حيث الرجعي هو نقيض التقدمي بالمعنى الشعاري للكلمة، والرجعية كما وردت في الخطاب الناصري هي كل من يعارض التجربة الناصرية من إقطاعيين وإسلاميين ورأسماليين وجرى تقسيم الأنظمة السياسية في الخطاب الناصري على هذا الأساس.

وقس على ذلك تجربة الدكتاتورية الأسدية في سوريا التي جعلت من مفهوم التقدم أس شعاراتها إلى جانب الوحدة والحريّة والاشتراكية والتي تختلف عن التجربة الناصرية بفسادها وطائفيتها وشدة وتغول قمعها. سيقود رأس النظام مؤسسة شكلية جدا من مجموعة أحزاب لا أثر لها في الحياة تدعى “الجبهة الوطنية التقدمية ” والتقدمية هنا بوصفها صفة من التقدم تعني نقيض الرجعية، فصارت سمة السلطة هي التقدمية، وحين واجه رأس النظام الأخوان المسلمين خاطب أنصاره بقوله “لا حياة في هذا القطر إلا للتقدم والاشتراكية “، لكن هذا المفهوم بوصفه راية أيديولوجية قد مرغته شهوة السلطة الفاسدة بالوسم التاريخ الرهيب.

لم تكن الأحزاب الشيوعية العربية كلها بعيدة عن هذا المفهوم وهن ذلك التقسيم الشهير بين التقدمي والرجعي قِس على ذلك خطاب السوريين القوميين. فيما الليبرالي العربي، وقد احتل فيه مفهوم التقدم مكانة أثيرة، لم يكن يربطه بالتقسيم القومي والشيوعي بين الرجعية والتقدمية ولا بالاشتراكية بل بروح الرأسمالية الغربية وتجربتها الاقتصادية والسياسية.

وبعد: هل مات مفهوم التقدم؟ يجب أن نميز بين معنيين للمفهوم و حقلين من الدلالة. فالمفهوم بالمعنى الأيديولوجي الشعاري السياسي، أي في حقل كل الأيديولوجيات العربية قد مات فعلا بسبب التجربة المرة التي أنتجتها أيديولوجيات التقدم.

أما التقدم كمفهوم فلسفي عملية انتقال من البسيط إلى المعقد ومن الحياة الأدنى إلى الأعلى وإن كان قليل التداول في الخطاب الفلسفي المعاصر بعد أن وجهت له أنتروبولوجية ليفي شتراوس ضربة بنيوية شبه قاتلة، فإنه يحتفظ بدلالته التاريخية بوصفة مفهوما يدل على حركة الانتقال التاريخي.

والمفهوم المناقض له، والحال هذه، هو مفهوم التأخر، ولهذا غالبا ما تلحق صفة التاريخي بالتقدم والتأخر، وهذا حقل وعي آخر للمفهوم.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر