الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الضحية تكتب

إن سؤال الكتابة الذي ظل يؤرق كتاب هذه اليوميات والروايات هو كيف يمكن استحضار التجارب العنيفة والقاسية، لا لأجل تمجيد الضحية وإدانة الجلاد وحسب، وإنما لتأكيد معنى الحرية كقيمة وجودية.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/08/09، العدد: 10360، ص(15)]

قبل أيامنا هذه كانت الكتابة الأدبية عن التجربة التي عاشها العشرات من الكتاب والمثقفين السوريين في السجون مغامرة مرعبة، لأنها ستعود بهم إلى الظلمات، مرة أخرى، تحت أي مسمى، طالما أن اعتقال الأدباء لم يكن يحتاج على تبرير قانوني.

هذا الواقع شكل مفارقة كبيرة، خاصة بعد أن لجأ النظام إلى تجريد المغضوب عليهم من الأدباء من حقوقهم المدنية والوظيفية، ومنعهم من السفر بغية إبقائهم في حالة خوف دائمة وبحث عن فرصة جديدة للحياة.

لذلك لم يكن أمام البعض منهم سوى كتابة يومياتهم وذكرياتهم الأليمة وإخفائها بانتظار الوقت المناسب لدفعها إلى المطبعة، وكان هذا الوقت المناسب هو غالبا تأمين فرصة الخروج من البلاد باتجاه المنافي. وبذلك استطاع النظام تغييب هذه الحقبة المظلمة من تاريخه على الرغم من الفظاعات التي ارتكبها بحق عشرات الآلاف من السجناء. الأعمال الأدبية النسائية التي تناولت هذه التجربة لم تتجاوز العملين، ظلا في إطار تجربة، روت في الأول إحدى السجينات تجربتها القاسية مع السجن، بينما عبر الكتاب الثاني عن تجربة سجينة، ظهر التركيز فيه على البعد الذاتي في هذه التجربة.

العمل الروائي الأول الذي كشف عن حجم الرعب والعنف الممارسين في سجون هذه الحقبة السوداء لم يظهر إلا مع صدور رواية القوقعة لمصطفى خليفة، ما شكل صدمة مخيفة جعلت البعض يعتقد أن ثمة مبالغة كبيرة في رواية وقائع هذه الرواية. لكن انطلاق الانتفاضة السورية كان علامة فارقة في تاريخ هذا الأدب، فمع سقوط جدار الخوف أخذت الأعمال المخبأة في الأدراج أو كانت تنتظر أن تكتب بالظهور، لينكشف معها تاريخ العار الذي سكت عنه العالم، والثمن الكبير الذي دفعه السوريون لا سيما الجيل الشاب والمثقف ومن بينهم الأدباء، على اختلاف توجهاتهم السياسية، في مواجهة الاستبداد ونهجه المدروس لإلغاء الحياة السياسية، ودفع المجتمع إلى الاستسلام أمام استباحة مؤسساته الأمنية للدولة والمجتمع.

وهكذا سمح هذا العدد الوافر من أدب السجون بكشف المستور، ورفد الأدب بتجارب غنية تنوعت أساليب سردها ومستوياتها الجمالية، لكن المفارقة أن ظهور هذه الأعمال جاء في مرحلة بلغ فيها عنف النظام المرعب وأعداد المعتقلين حدا من الصعب تصور فظاعاته وقسوته، ورغم ذلك ساهمت هذه الأعمال الأدبية واليوميات في فضح وتعرية بنية الاستبداد وأنظمته التي عملت على دفن الحقيقة مع الضحية التي صمتت إلى الأبد.

إن سؤال الكتابة الذي ظل يؤرق كتاب هذه اليوميات والروايات هو كيف يمكن استحضار التجارب العنيفة والقاسية، لا لأجل تمجيد الضحية وإدانة الجلاد وحسب، وإنما لتأكيد معنى الحرية كقيمة وجودية وإنسانية سامية في الحياة.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر