الاربعاء 18 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10785

الاربعاء 18 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10785

الشعر السعودي الجديد يغادر مناخات نهاية القرن

  • يبدو جليا، بعد عدد كبير من المجموعات الشعرية للشعراء السعوديين الشباب، أن هنالك قطيعة حقيقية مع الآباء الكلاسيكيين للشعر، وحالة طلاق واضحة مع المنتج المحلي السعودي في الثمانينات وما بعدها، حيث نلمس نصوصا مغايرة على مستوى اللغة والمضمون والتقنية. مهدي المطوّع واحد من الشعراء السعوديين الشباب الذين قدّموا نصّوصهم المعاصرة وفق ما يرونه، معتزلين تفاصيله الجغرافية الجاهزة ناحية موئل الفلسفة والتاريخ والفكر الخالص. صحيفة “العرب” كان لها معه هذا اللقاء الذي دار حول تجربته الشعرية، والبعض من القضايا الثقافية الأخرى.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/08/09، العدد: 10360، ص(15)]

تجربتي محاولات لتقديم القليل من رؤيتي للكتابة ونظرتي للحياة

أصدر الشاعر السعودي مهدي المطوّع مؤخرا مجموعته الشعرية الأولى “لعب متحللة لميت عادي” عبر دار مسعى البحرينية بالتعاون مع منتدى اليراع السعودي. وقد اشتملت المجموعة على اثنين وعشرين نصا قصيرا مكثّفا بمجازات اللغة المركبة بالأخيلة، وبالصور الشعرية التي ما إن تقبض على واحدة حتى تتولّد منها واحدة أخرى داخل فضاءات النص نفسه، مستعينا فيه بذاكرة الفنون البصرية والأدائية التي أكّد عليها أثناء حفلة توقيعه في بيت الشعر بفنون الدمام، حين قدّم مجموعته مع عرض بصري حمل دلالات مفتوحة التأويل.

لعب متحللة

يقول مهدي المطوّع عن مجموعة “لعب متحللة لميت عادي” “هذه التجربة هي محاولات لتقديم القليل من رؤيتي للكتابة ونظرتي للحياة. مثلاً، حاولت هنا أن أكتب بلغة مكثفة ومتشظية. أن تكون في كل نص عدة أصوات أو عدة نصوص/ مشاهد/ لوحات. فوظفت رمز الجسد أو الأشياء المهملة كلغة/صورة/ حادة ومتكسرة أو هي هنا بشكل متشظ. وحلمي –تقريبا- هذا الاستخدام بهذه الطريقة كانعكاس لما يحدث في كل مكان من أشياء مؤلمة وغير واضحة”.

ويضيف ضيفنا “هذه التجربة هي تأملية وبصرية وحاولت أن تكون بعيدة عن العاطفة أو اللغة الشعرية السائدة. قريبة من لغة السينما الفنية أو الفن التشكيلي وغيرهما. هي لغة صورية ولغة كوابيس وصمت. ومنشطرة ومتداخلة مع بعضها، تقريبا هي لغة خوف وأحلام أجنة. أي لغة داخلية وخارجية في نفس الوقت. الظاهر هو باطن وبالعكس. أردت أن يكون النص مزيجا من الأشياء اللامتناهية”.

وسط هذه اللغة المركبة من عوالم متشظية بالتكثيف وبالانعكاسات النفسية للاوعي نواجه قاموسا لغويا مطوّقا بجدران من التشاؤم والسوداوية، وكأنه لم يعد هنالك أمل يرتجيه الشاعر من العالم.

وسط هذه اللغة المركبة من عوالم متشظية بالتكثيف نواجه قاموسا لغويا مطوقا بجدران من التشاؤم والسوداوية

وعن ذلك يعلّق مهدي “نعم يوجد في التجربة تشاؤم وسوداوية ومشتقاتهما أيضا، لأنه بشكل أو بآخر أنا كمبدع يعايش ما يجري في العالم سينعكس عليّ هذا الجو الخانق والمليء بالمآسي والانحطاط البشري. الآن وصلنا إلى هاوية سوداء ولو استمر هذا الوضع في تزايد فبالتأكيد سننقرض عما قريب. والشعر والفنون الإبداعية عموما هي ملاذنا الآن وفي السابق، حتى لو كان ما يقدم فيها من السوداوية والتشاؤم هو نتاج طبيعي لمثل هذه المرحلة. الأمل هو ما يعطي هذا الإبداع الاستمرار والتجاوز لتلك التجارب السابقة والراهنة”.

لغة مهدي المطوّع ذات تركيب معقّد، وصعبة التأويل على القارئ، فكلما فتح المتلقي باب تركيب لصورة من صوره اصطدم بصورة جديدة داخل صورة مغلقة أخرى. هذا الأمر يحيلنا إلى السؤال عن بعض الاشتغالات على قصيدة النثر التي يؤخذ عليها أنها غير مفهومة حتى من النخبة من النقاد، وأن محاولة فهمها هي مجرد استنطاق لأبكم بكلمات لم يقلها.

يجيب شاعرنا “العالم غير واضح ولذا تأتي هذه الكتابة وأشباهها غير واضحة ومحتجة ضد هذا الخراب المتفاقم. أعرف أن مثل هذه التجارب تقرأ بصعوبة هنا وفي أماكن مختلفة من العالم. وأيضا توجد تجارب قريبة من هذا الجو الكتابي تقرأ في كل مكان ويحتفى بها ومنها أسماء راسخة مثل رينيه شار وأنسي الحاج وباول تسيلان وغيرهم. وهؤلاء لكل منهم صوته الخاص. أما عن تجربتي فهي كتبت في بيئتي وما يؤثر فيَّ من الحياة التي في خارجي وداخلي أيضاً. مثل هذه التجارب تحتاج لوعي يستوعب التجربة في عمقها لأنها تجارب لا تقرأ أو تكتب لتفهم بل لننظر ونتأمل من خلالها عبر لغة الحياة والصور والأحلام والدهشة الناضحة منها. أما الغموض في هذه التجارب هو بعد آخر ومرآة وطريقة مختلفة في التعبير تحمل الكثير من الدهشة والجمال المختبئ في كل شيء. وهناك منذ القديم تجارب اعتبرت غامضة، لكنها كتبت بلغة تأويلية وصورية مدهشة. وما يهمنا هو الإبداع في أي تجربة كانت”.

النص مزيج من الأشياء اللامتناهية

اللايقين

لدى مهدي المطوّع (مواليد الأحساء، عام 1987) تساؤلات تؤرقه حول الجغرافيا التي ألهمته، وحول بعض التجارب الشعرية، مثل تلك التجارب القليلة جدا التي تكتب بشكل مختلف وبوعي كتابي جاد ويجد أن السبيل للكتابة الحقيقة يكمن في الثورة على الأجوبة الجاهزة والتشكيك في المنجز القائم. يقول “أكثر الكتابات لدينا يغلب عليها الاستعراض واللامبالاة والاستهلاكية وغارقة في العواطف والتكرار دون رؤية مختلفة للكتابة. الكتابة تحتاج إلى مزيج من الحياة والفنون. نريد تجربة حين نقرأها نعرف أن هنالك جديداً وله رؤية ومحاولات في تجاوز ما يُقدم. نحتاج الآن للكثير من اللايقين في الكتابة. نحتاج ألا نقتنع بما قدمنا أو نثق فيه”.

يرى ضيفنا المطوّع أن “الجيل الثقافي والشعري السعودي السابق قدم الكثير في تجربة النثر ومازال يقدم، رغم بعض المؤاخذات عليه. وأتمنى أن تعاد قراءته مع الأخذ في الحسبان بعدة أشياء ومنها المرحلة التي كتبوا فيها والأحداث والأجواء المحيطة بهم، ولا داعي لأن يتركوا أماكنهم، بل أن يحاولوا أن يتجاوزوا ما قدموا من تجارب. ويتعلموا من كل شيء جديد ومن التجارب الحديثة أيضا، وهذا ينطبق على الجيل الحديث من الشعراء أن يتعلموا من كل شيء وحتى من أخطاء السابقين أيضا. وحتى لو كان هناك تأثر بالتجارب الأخرى فهو ليس عيبا، وكما قلت علينا ألا نثق بما قدمناه. وستأتي أجيال بعدنا تنسف الكثير مما يقدم الآن. ولن يتبقى سوى القليل جدا مما كُتب في الشعر وغيره”.

وعن رأيه حول تداعيات المرحلة العربية سياسيا في ظل احتياج المثقفين والمبدعين لمظلة واحدة وفق موقف تنويري واحد إزاء انهيارات الربيع وسطوة الإسلام السياسي، يقول ضيفنا “هنا، كأي مكان تأثرنا بالأحداث في الخارج وفي الداخل من تفجيرات ومن تكفير ومن إقصاء وغيره. وأتمنى أن نكون أكثر وعيا في استيعاب هذه المرحلة التي يمر بها العالم. على المثقف ألا ينجر خلف كل شيء. عليه بدل أن يخذل تجربته أو يتوقف بسبب اليأس أن يجعل يأسه والبؤس الذي يحصل دافعا له ليستمر في العطاء وليقدم شيئا مختلفاً من هذا الواقع السيء. ويأخذ له مسافة خاصة بذاته ليتأمل أكثر في ما يقدم وما يتأثر به مما يجري”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر