الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

وعي الاستمرارية

بديهي إذن أن تمثل قراءة الرواية سياقا مثاليا لإدراك الأعطاب والأمراض وأحلام التجاوز واستمرار الجوهر الإنساني، واستبطان القدرة على تحمل الحياة وفك ألغازها.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/08/10، العدد: 10361، ص(15)]

قراءة الرواية شأن فردي، لا ينشغل كثيرا بالتوصيفات والحدود، قد يكون للكشف والمعرفة، أو للنسيان وهجر المحيط المضجر، لكنه طقس يمارس بحرية شخصية في الليل والنهار، في الحركة والسكون، وفي المنشط والمكره، ولا يعنيه كثيرا انتماء الروائي ولا جنسه أو لسانه.

وإذا كانت الرواية عموما قد حظيت بمجهودات تحليلية وتنظيرية على قدر كبير من التنوع والغزارة سواء في المقاربات التي تأسست على البعد الجغرافي في دلالته المحدودة، وميزت موضوعاتها توصيفات من قبيل “الرواية الفرنسية” و”الرواية الروسية” و”الرواية الأميركولاتينية”… أو تلك التي نهضت على مفاهيم نظرية ذات هاجس تصنيفي متصل بالأنواع كـ”الرواية التاريخية”، و”رواية القاع”، و”رواية العواطف والجسد”، و”رواية المدينة”، و”رواية السجن السياسي”، و”رواية المنفى” أو حتى تلك التي انبعثت من منطلقات تاريخية/ قومية، كـ”رواية النهضة”، و”الرواية الاستعمارية”، و”رواية التيار القومي”، فإن محاولة الفصل بين مضمون الانحيازات العقيدية لقارئ الرواية ومنظوره الدنيوي وبين حدوسه الفكرية بصدد النص الروائي في امتداداته الزمنية والجغرافية، لا يمكن إلا أن تحجب عنا مجموعة من الحقائق المتصلة بالمعين الخاص لتجربة القارئ، كما أن من شأنها أن تصرف الوعي عن إدراك خصوبة عملية القراءة وتعدد مقاصدها بقدر تعدد المآرب الروائية وتنوع غاياتها ووظائفها.

في أحد مقاطع كتاب “الستارة” يتحدث ميلان كونديرا عن الرواية بوصفها فنا لـ”وعي الاستمرارية”، قد يتصل بالمجتمع أو الحضارة أو القيم، بيد أنه يتعلق في كل الأحوال بالفعل والتصرف الفرديين الممتدين في الزمن، لهذا غالبا ما تلازمت الاختراقات والكشوف الوجودية وتبدل الأشكال السردية. يطرح هذا الرأي مرة أخرى فرضية وجود الرواية بما هي وعي للأفراد بحياة الآخرين، في عملية الإبداع والقراءة على حد سواء، فنحن نكتب وحدنا ونقرأ وحدنا في مواجهة الصمت، وبتشوف لفهم التحولات. والأمر الوحيد الذي يتبقى لنا –بتعبير كونديرا – “إزاء هذه الهزيمة المحتومة التي ندعوها الحياة هو محاولة فهمها. وهنا يكمن سبب وجود فن الرواية”.

بديهي إذن أن تمثل قراءة الرواية سياقا مثاليا لإدراك الأعطاب والأمراض وأحلام التجاوز واستمرار الجوهر الإنساني، واستبطان القدرة على تحمل الحياة وفك ألغازها، في الآن ذاته الذي تشكل فرصة حافلة بالمتع المدهشة لبلورة الأسئلة المتصلة بقناعات القارئ وتشخيص منسوب تصالحه مع المجتمع والغير أو رفضه لهما، وتطوير حدوسه بصدد اللغة والمتخيل. وبقدر ما يمكن أن نقرأ في تطور الأنواع الروائية مسارا لانزياحات الوعي بالكتابة وبالأدب، نستطيع كذلك -من منظور تأريخي لعملية القراءة الموازية- أن نعتبره حيزا لاستكشاف تحولات النظر النقدي، وتغاير قيم التحليل والتأويل، التي تبقى وطيدة الصلة بأوهام الفرد /القارئ وأوجاعه وتوقه إلى اغتياب الآخرين.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر