السبت 25 فبراير/شباط 2017، العدد: 10554

السبت 25 فبراير/شباط 2017، العدد: 10554

محمد خان وكهنة المعبد

لم أكن من المعجبين بكل ما أخرجه محمد خان من أفلام، وأرى أن أفضل أفلامه تلك التي صنعها في الثمانينات من تصوير سعيد شيمي.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/08/10، العدد: 10361، ص(16)]

لا شك أن رحيل المخرج السينمائي الكبير، محمد خان، ترك غصة في النفس، كما صدم الكثير من محبي أفلامه من جمهور السينما في العالم العربي، وقد كتبت ونشرت في “العرب” مقالا عاطفيا سردت فيه بعض الذكريات والتداعيات التي وردت على ذهني عند لحظة الشعور بفقدان الصديق والفنان.

لم أتناول أفلام خان، بل اكتفيت بالإشارة إلى ما اعتبرته منها من “كلاسيكيات السينما المصرية”، وذكرت أنه لم يدرس السينما “دراسة أكاديمية” وهو ما أثار غضب شخص أو اثنين، ممن نصبوا أنفسهم كهنة لمعبد محمد خان، أي لا يحق لأحد أن يتحدث عنه وعن حياته سوى بتصريح منهم، وأنهم الأعلم والأقرب، مُصرين على أنه درس السينما (في لندن)، كما لو كان ما قلته، تقليلا من قيمة وشأن محمد خان، بينما جاء كلامي في معرض الإشادة بموهبته التي تجاوزت الكثيرين من دارسي السينما.

ما كتبته هو الحقيقة التي عرفتها مباشرة من محمد خان نفسه، عندما التقينا قبل سنوات بعيدة عام (1988) في لندن، وروى لي وقتها، جانبا من حياته في العاصمة البريطانية، وكيف أنه كان قد أدمن التردد على مسرح الفيلم الوطني التابع لمعهد الفيلم البريطاني، بل ولا يعرف الكثيرون أيضا أن هذا المعهد، الذي يهتم بالنشاط الثقافي السينمائي (وليس جهة تعليمية)، أصدر عام 1969 كتابا صغيرا (96 صفحة) باللغة الإنكليزية من تأليف محمد خان بعنوان “مدخل إلى تاريخ السينما المصرية”.

وقد وجدت نفسي مضطرا لنشر قائمة أولية على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، لأسماء بعض المخرجين المرموقين الذين غيّروا وجه السينما في العالم، دون أن يكونوا قد درسوا السينما دراسة أكاديمية أو غير أكاديمية، بل جاءوا إليها من خلال المشاهدة والثقافة والإطلاع والتجريب وصنع أفلام الهواة، وطوروا معارفهم وقدراتهم التقنية والمعرفية خلال مسيرتهم العملية، تماما كما فعل محمد خان، ودون استناد إلى “وصفات” أكاديمية محددة.

ومن هؤلاء المخرجين: جون لوك غودار، جيمس كاميرون، ستانلي كوبريك، فرنسوا تريفو، أكيرا كيروساوا، كوينتين تارانتينو، كريستوفر نولان، ستيفن سبيلبرغ، جاك ريفيت وتيري غيليام.

ومن أهم المخرجين المصريين الذين ساهموا في تجديد الفيلم المصري ونقله إلى آفاق غير مسبوقة في الستينات والسبعينات، المخرج الراحل سعيد مرزوق (زوجتي والكلب، الخوف، المذنبون..) ولم يكن ممن درسوا السينما، بل إنه لم يتمتع حتى بالدراسة الجامعية.

ليس الهدف من هذا بالطبع، التقليل من أهمية دراسة السينما، ولكن التأكيد أن الدراسة لا تغني عن الموهبة، فمن الممكن أن تصقلها، ولكنها ليست شرطا أساسيا لبروز مخرج صاحب بصمة مميزة، فالأهم أن يكون من يتطلع إلى العمل السينمائي، مستوعبا لفكرة السينما ذاتها، كوسيلة لتشكيل الخيال، لتقديم رؤية فنية وجمالية، وأن يملك من التجربة الإنسانية وفهم المحيط الذي يعيش فيه، والقدرة على صياغة أفكاره باستخدام وسيلة السينما، أي الصورة والصوت، ما يتيح له التعبير عن هذا كله في أفلامه، وهو ما كان يتمتع به محمد خان منذ فيلم “البطيخة” القصير الذي أخرجه عام 1971 قبل أن يصبح له أيّ وجود في عالم السينما المصرية، وقد تناولت هذا الفيلم في مقالي السابق.

كان مما ذكرته في المقال نفسه أن محمد خان ينتمي لأب باكستاني وأم إيطالية الجنسية (لا أعرف ما إذا كانت من أصول مصرية أم لا)، خلافا لمعظم ما هو منشور وما نشر بعد وفاته، وقد أدهش ذلك الكثيرين ودفعهم إلى الاستفسار وليس إلى الاستنكار، ولكن هذه هي الحقيقة التي ربما تكون قد لعبت دورا في تأخر حصول محمد خان على الجنسية المصرية.

لم أكن من المعجبين بكل ما أخرجه محمد خان من أفلام، وأرى أن أفضل أفلامه تلك التي صنعها في الثمانينات من تصوير سعيد شيمي، وهو ما يمكن الخلاف بشأنه، ولكن يجب مراجعة تراثه السينمائي بعيدا عن العواطف، وعن قيود “كهنة المعبد”!

ناقد سينمائي مصري مقيم في لندن

أمير العمري

:: مقالات أخرى لـ أمير العمري

أمير العمري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر