الثلاثاء 28 فبراير/شباط 2017، العدد: 10557

الثلاثاء 28 فبراير/شباط 2017، العدد: 10557

الحالة التركية ومعضلة الإسلاميين العرب

الإسلاميون لم يقفوا عند استنكار المحاولة الانقلابية... بل باركوا السياسات التي اتخذها أردوغان وهمت اعتقال مئات الآلاف من الأشخاص لمجرد انتمائهم إلى حركة غولن.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/08/10، العدد: 10361، ص(9)]

أظهر الانقلاب الفاشل في تركيا، في يوليو الماضي، اصطفافا في صفوف غالبية الإسلاميين العرب بشكل لم يكن متوقعا، وحصل ذلك في اللحظات الأولى عقب الإعلان عن فشل المحاولة، بعد زوال حالة المفاجأة عقب إذاعة نبأ الانقلاب. وفي المغرب بينما اختار حزب العدالة والتنمية منطقة وسطا تماهيا مع الموقف الرسمي للدولة، سجل نوع من الهياج في صفوف أتباعه، وحدث نوع من الانزلاق لدى البعض ممن باركوا التصفية التي يقوم بها رجب طيب أردوغان حين شبهوا اليساريين المغاربة بالانقلابيين.

هذا الاصطفاف لدى الإسلاميين العرب إلى جانب أردوغان وحزب العدالة والتنمية طرح أكثر من مشكلة في ما يتعلق بقياس الوعي السياسي والديني، فهذه هي المرة الأولى التي يحصل فيها صراع بين تنظيميْن أحدهما سياسي والآخر دعوي كانا معا في السلطة، ثم انفصلا نتيجة خلاف داخلي، وبقي التنظيم الأول في الحكم بينما بقي الثاني في مجال الدعوة والعمل الاجتماعي.

كان الإسلاميون العرب على رأس من تبنى الخط الدعوي لحركة فتح الله غولن المسماة بحركة الخدمة، وخلقوا دعاية واسعة لها؛ وفي الوقت الذي كان حزب العدالة والتنمية لأردوغان مجرد تنظيم سياسي ببرنامج انتخابي لكن دون مشروع فكري يمكنه جذب الإسلاميين العرب المولعين بالمشروعات النظرية، كان غولن يوفر هذه الخدمة خصوصا وأنه يمد بجذوره في فكر بديع الزمان سعيد النورسي الذي تعرف عليه الإسلاميون العرب عن طريقه، وقدموه بوصفه أحد أهم من أبقى شعلة الدعوة حية، بعد أن اختارت تركيا المنظومة العلمانية.

اصطفاف الإسلاميين العرب بعد فشل المحاولة الانقلابية لم يكن جديدا، وإن كان طابعه المميز له هو مغادرة موقف التحفظ الذي طبع موقفهم من حركة الخدمة بعد الخلاف الذي نشب بينها وبين الحزب الحاكم عام 2013، عقب انفجار فضائح الفساد في الدائرة المحيطة بأردوغان. لم يأبه الإسلاميون لتلك الفضائح، وسايروا مواقف الحزب الحاكم، على الرغم من حرصهم على التذكير بمعارضتهم للفساد وتأكيدهم بأنهم في صف الإصلاح والمصلحين.

الحقيقة أن الإسلاميين العرب لم يكن لديهم اختيار آخر سوى الوقوف مع الحزب الحاكم، على الرغم من أن التيار الذي يقف في وجهه هو أيضا تيار محسوب على الصف الإسلامي وإن لم يكن يشتغل بالسياسة بمعناها الخاص، ذلك أن القوة بالنسبة إليهم راجحة على الحق، والحق مرجوح على القوة. فالحزب الحاكم وهو في السلطة يستطيع تقديم ما لا تستطيع تقديمه حركة خارج السلطة حتى وإن كانت مع الحق، ومعادلة الحق والقوة لدى الإسلاميين من المعادلات التي أدخلت منذ البداية قضية الدين والسياسة في مأزق نظري وأخلاقي.

ما حصل لدى انفجار فضائح الفساد حصل مثيله بعد فشل العملية الانقلابية، لكن المعضلة أن الإسلاميين لم يقفوا عند استنكار المحاولة الانقلابية هذه المرة، كما فعلت العديد من الأطراف داخل وخارج تركيا، باعتبار ذلك موقفا طبيعيا يرفض الانقلاب على الشرعية، بل باركوا السياسات التي اتخذها أردوغان وهمت اعتقال مئات الآلاف من الأشخاص لمجرد انتمائهم إلى حركة غولن، وإغلاق العشرات من المدارس والمؤسسات الخدمية، وإغلاق العديد من المنابر الإعلامية، ونشر حالة من الخوف في تركيا عامة.

والغريب أنهم استخدموا نفس الشعار الذي استخدمه أردوغان، وهو “التطهير”، وهي كلمة مليئة بالمضامين المعيبة. فقد ساندوا تلك السياسات بدعوى تطهير المؤسسات من المعارضين لصالح الديمقراطية، ولم يطرحوا التساؤل حول إمكانية الجمع بين القمع والديمقراطية في الوقت ذاته، وما إن كانا يلتقيان فعلا، أم هما يتصالحان فقط في وعي الحركات الإسلامية ذات النفَس الشمولي.

أبرز من عبر عن هذا التوجه يوسف القرضاوي. فقد صرح منذ اللحظة الأولى لفشل الانقلاب بأن “جبريل والملائكة مع أردوغان”، وهو ما يعني تكفيرا للطرف الآخر، وفي الوقت الذي يوجه أردوغان أصابع الاتهام إلى حركة غولن فإن ذلك التكفير الصامت يتجه إليها رغم أنها حركة دعوية.

ومهما كان من يقف وراء الانقلاب فإن السقوط في التكفير واحدة من المعضلات الكبرى، وقد حصلت في التاريخ الإسلامي المئات من المحاولات الانقلابية فشل بعضها ونجح الكثير منها ولم يصدر عن الفقهاء ما ينم عن تكفير هؤلاء، ولكن تكفير القرضاوي كان وراءه الهوى السياسي في زمن لم تعد السياسة تختلط فيه بالدين بل تدخله إلى معدتها وتطحنه.

يصر الإسلاميون، عندما يريدون تغليب خط الدعوة على خط السياسة في أزمنة الجدب، على أن الضرورة تقتضي التبين في الأخبار، مصداقا للآية القرآنية “يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا”، كما يصرون على أهمية المصالحة بين الإخوة في أوقات النزاع، مصداقا للآية “وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما”، والتبين يكون عندما تتعادل المواقف بين الطرفين ويصعب الترجيح، وعندما يكون مصدر الأخبار الطرفين معا، لكن في الحالة التركية فإن طرفا واحدا هو مصدر الأخبار لأنه يسيطر على وسائل الإعلام، والإسلاميون لا يسمعون سوى دعاوى طرف واحد في النزاع، ومع ذلك فقد سارعوا إلى مسايرة مواقفه واختاروا التبني على التبين.

أعلن القرضاوي أن الانقلاب حرام شرعا، في تعليقه على الانقلاب في تركيا، والقرضاوي نفسه هو من بارك سياسات جعفر نميري في السودان بعد الانقلاب على الصادق المهدي وإعلان تطبيق الشريعة لامتصاص غضب الإسلاميين في الداخل وجلب تأييدهم في الخارج، وهو نفسه، وآخرون كثيرون غيره من صفقوا لانقلاب عمر البشير وحسن الترابي عام 1988 حتى حولوا ذلك إلى نموذج.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر