الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

وصية البذور في ملعب ماراكانا

المناخ في العراق مثلا، ألا يستدعي إعلانا عالميا لاعتباره بلدا منكوبا وفق كل معايير القوانين الدولية وتطبيق الإجراءات لانتشاله من الكارثة التي انحدر إليها.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/08/10، العدد: 10361، ص(9)]

نصف ساعة كانت كافية لإيصال رسالة رئيس جمهورية المالديف السابق محمد نشيد وحكومته، في أغرب اجتماع لمجلس وزراء دولة، عقد تحت الماء في أكتوبر 2009 وببدلات الغطس وتواصلوا عبر لوحات خاصة للكتابة؛ ويمكن إيجاز رسالة الرئيس بعبارته “مصيرنا الموت” في إجابته عن سؤال لأحد الصحافيين بعد الاجتماع المثير، تتعلق باحتمال عدم اهتمام الأمم المتحدة أو العالم بالتغيرات المناخية ونداء الاستغاثة، أي الوثيقة التي وقع عليها الوزراء مطالبين بخفض انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكاربون؛ لأن الحقائق العلمية والشواهد العملية تشير إلى أن جزر المالديف ستكون في مقدمة الدول المهددة بالغرق نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وذوبان الجليد وتغلغل البحر إلى أراضيها.

الرسالة الأخرى الأكثر تعبيرا وتأثيرا، جاءت من ملعب “ماراكانا” في افتتاح أولمبياد ريو 2016 الذي كثف اهتمامه بمصير الكوكب والمخاطر الكارثية للاحتباس الحراري، وفي مشاهد صادمة تمت الاستعانة بصور من إدارة الطيران والفضاء الأميركية “ناسا” لمدن كبرى في مختلف القارات ستتعرض للزوال نتيجة لارتفاع مناسيب المياه.

إنها وصية مرعبة في جوهرها لإنقاذ الأرض من أكبر إرهاب يتهددها ولا يستثني أحدا لقوته السياسية أو الاقتصادية ولا يتوجه لأحد في الإبادة لانتماءاته الدينية أو الطائفية، ولا يرتبط بمصالح الدول الكبرى وهيمنتها ولا ينحاز لحاكم ضد شعب أو يروج لأيديولوجيا حزب أو جماعة ولا علاقة له باليسار أو اليمين أو الوسط؛ وصية تم تغليفها بالتحذير وأيضا بالأمل في الحكومات والقيادات الفاعلة لإرجاعها إلى رشدها لتثبيت وترسيخ السلام والالتفات بعمق إلى الإنسانية والإخاء ومفاهيم التعاون بين البشر.

بحضور 207 دول في استعراض الوفود، شارك الرياضيون بوضع البذور اللازمة لزراعة “الحديقة الأولمبية”، ويتوقع خلال سنتين أن تنمو لتكون بداية لحملة أممية تستهدف زراعة وتشجير الأرض وإعادة غابات الأمازون في البرازيل إلى سابق عهدها، بعد أضرار هائلة لحقت بها.

مؤسف حقا أننا لا نهتم حتى بأجيالنا القريبة القادمة كأننا نفرط بأبنائنا ونسلمهم إلى المجهول؛ ويبدو الحديث عن التغير المناخي في بلداننا العربية وخصوصا بلدان الأزمات شيئا ثانويا ربما يسبب الحرج في واقع يتجاوز حدود الطبيعة حيث الحروب والنزاعات وما ينتج عنها؛ لا تترك مجالا للتأمل في معالجة، أو تدبر كيفية السيطرة على الانهيارات المتتالية ومن كل اتجاه.

المناخ في العراق مثلا ألا يستدعي إعلانا عالميا لاعتباره بلدا منكوبا وفق كل معايير القوانين الدولية وتطبيق الإجراءات لانتشاله من الكارثة التي انحدر إليها؛ لكن قانون الحماية المدنية، وبموجب تغير المناخ السياسي، يتطلب وفي حالات مثل العراق وسوريا، رفع فقرة، يحق لرئيس الدولة أن يقدم طلبا إلى الأمم المتحدة لاعتبار منطقة ما منكوبة؛ لأن النكبة الحقيقية تتجسد في غياب كيان الدولة وإن الحاكم ونظامه هما من يتحملان الجزء الأكبر للكارثة.

درجات الحرارة في العراق تسجل منذ سنوات أعلى معدلاتها في الكوكب مما دفع الحكومة إلى تعطيل الدوام الرسمي لأكثر من مرة، في وقت تغيب فيه المعالجات البيئية وفشل ذريع في توفير الخدمات الأساسية وأهمها الطاقة الكهربائية؛ مع ندرة الإحصاءات التي توثق الخسائر في الأرواح أو تزايد الأمراض وحجم مساحات التصحر ونسب الهجرة السكانية لقلة الإرواء الزراعي وزيادة الملوحة وتفاوت وعدم استقرار كميات الأمطار، وما يرافق تلك المتغيرات من تجاهل دور المنظمات الدولية المعنية وقلة الموارد المالية المخصصة لمشاريع كانت مطروحة كأفكار ولم تجد، أو لن تجد، طريقا لتنفيذها لأنها ليست من أولويات عملية سياسية فرطت بالكثير لغايات باتت معروفة؛ ومن ذلك إنشاء بحيرات صناعية متعددة الأحجام تتجاوز 100 بحيرة في بغداد وحدها، وربطها بشبكة أنابيب مع دجلة لضمان حركة المياه وما يمكن أن توفره تلك البحيرات من ضمان للمساحات الخضراء واستجمام المواطنين وتحسين درجات الحرارة وزراعة غابات من الأشجار في عموم العراق واستثمار ثروة النخيل في دعم المناخ والاقتصاد.

أحد أسباب الهجرة الرئيسية من العراق، إضافة إلى ما أفرزته وقائع ما بعد الاحتلال الأميركي، هو ارتفاع درجات الحرارة بما لا يتناسب وطاقة الإنسان، ليس فقط قياسا لتحمله الجسدي، لكن لعلاقة ذلك بالعمل وفرص العيش؛ وهي علاقة وثيقة بمعاناة نقص المياه ومشاكل الأنهار المشتركة من دول المصدر إلى المصب، في ظل حقائق عن وجود ما يقارب ملياري ونصف المليار من سكان الأرض محرومين من نعمة المياه الصالحة للشرب أو للاستخدام في الأمور الصحية الأخرى؛ عالمنا العربي فيه 19 دولة تحت خط ما يعرف بالفقر المائي وهي دوافع بالغة الخطورة على مستقبل الأمن وترتبط بالحياة في المدن واستقرار التجمعات السكانية.

تعاني منطقتنا من إرهاب مناخات متعدد يضرب جذور المرتكزات الأساسية، لكن يظل لمخاطر تقلبات مناخ السياسة والحكم الأثر الأكبر في الزلزال الذي هز كيان الشعب العراقي والشعب السوري وأدى إلى الاقتتال الطائفي واللجوء والهجرة وتشريد الملايين وصناعة الإرهاب المتقابل وتدخل الدول وإشاعة التدهور في البيئة بشكل عام.

أمتنا لم تنتج أحزابا غير أيديولوجية على اختلاف مرجعياتها، سياسية كانت أم دينية؛ لدينا تجارب على غرار حزب الخضر في ألمانيا لكنها مجرد تجارب لم تتعدّ الغرف أو هياكل بيوت المنظمات ولم يكن لها تأثير، أو صوت جماهيري تستحقه لأهمية الفكرة في حياة الشعوب وضمان أمنها الإنساني وحمايتها من تلوث الإرادات السياسية المرتهنة للمزاج أو للتبعية أو لثقافة متدنية لا تصلح لقيادة مصير ولو أسرة.

العراق منطقة منكوبة وكذلك سوريا وعلى المجتمع الدولي التدخل لإيقاف تمدد إرهاب مناخ ملالي طهران الذي تسبب بعد الاحتلال الأميركي في تدمير المدن وفتح الأبواب لكل أنواع الإرهاب. كم قرية أولمبية نحتاج لتصل بذور أصواتنا واستغاثة شعوبنا.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر