السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

عن 'هيبتا.. المحاضرة الأخيرة' بعد هدوء الضجة

  • أثار الفيلم المصري “هيبتا.. المحاضرة الأخيرة” اهتماما إعلاميا كبيرا وشهد إقبالا جماهيريا غير مسبوق على مشاهدته، مما جعله يحقق إيرادات قياسية هذا العام، وهو ما مثل تشجيعا كبيرا لصناعة السينما المصرية التي تعاني من أزمة إنتاج في الوقت الحالي، وقد آثرت التريث إلى حين هدوء الضجة التي أثارها عرض الفيلم، وذلك قبل الكتابة عنه تفصيلا، خاصة أنني لم أجده من الناحية السينمائية، عملا فنيا كبيرا رغم جديته واختلافه عن غيره من الأفلام الاستهلاكية السائدة.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/08/12، العدد: 10363، ص(16)]

اختبار الحب في مراحله السبع

ينتمي الفيلم المصري الجديد “هيبتا.. المحاضرة الأخيرة” للمخرج هادي الباجوري والمقتبس عن رواية للكاتب محمد صادق، إلى “أدب الشباب” الذي لا يهتم بالصنعة الأدبية أو بالصياغة اللغوية، بقدر ما يهمه السرد الذي يلعب حول المكبوت العاطفي ويستخدم العامية لغة للحوار وأحيانا النص أيضا، كما لا يهتم كثيرا بوصف الشخصيات بقدر ما يهتم بالحوارات التي تدور بينها.

يعتمد سيناريو الفيلم على فكرة مجردة، هي فكرة الوقوع في الحب وتداعياته، ليس من خلال تساؤلات ذهنية وفلسفية، بل باستعراض قصص يرويها محاضر مرموق، شارحا كيف تولد المشاعر العاطفية، ثم تتطور ويتطور وعينا بها لتصل إلى نقطة معينة، إما أن تستقر عندها، وإما تنتهي.

هذه الأفكار تتدرج في القصص الأربع، التي يرويها الدكتور شكري (يقوم بالدور ماجد الكدواني)، في محاضرة أخيرة على جمهوره من الشباب والكبار، قبل أن يعتزل بسبب اشتداد حدة المرض عليه.

يشرح شكري ما يطلق عليه “المراحل السبع للحب”، وهي مراحل مشكوك في دقتها وتسلسلها على النحو الذي يسوقه بشكل تعليمي وباستخدام أسلوب الكتابة على الشاشة، فهو يرى مثلا، أن تجارب البشر جميعا تتماثل أو تتطابق في الحب، وأنها جميعها تمر بالمراحل السبع وهي: البدايات، الجنون، الحلم، الوعد، الحقيقة، المقاومة وأخيرا “هيبتا” وهو الحرف السابع من الأبجدية اليونانية الذي اختاره كاتب القصة عنوانا لقصته، أما المرحلة السابعة هذه، ففيها يجب حسم العلاقة: إما الفراق أو العثور على صيغة للتغلب على نزعات مثل حب التملك والغيرة والشك والملل، ضمانا لاستمرار العلاقة ونجاحها.

استحالة الممكن

تكمن المشكلة الأساسية في الفيلم، في السيناريو الذي كتبه وائل حمدي، نتيجة افتقاده لأهم عنصر من عناصر نجاح أي عمل فني، وهو الإقناع، فمن الممكن أن يجنح الفيلم إلى تصوير أقصى ما يمكن تخيله من أحداث قد تبدو “مستحيلة الحدوث”، غير أنها تصبح بعد صياغتها دراميا وسينمائيا، مقبولة، بل يراها المتفرج ممكنة الحدوث رغم استحالتها الظاهرية، وهو العنصر الذي يغيب عن هذا الفيلم، وقديما قال أرسطو في “فن الشعر” إنه “المستحيل- الممكن”، أما في الدراما فخير من “الممكن- المستحيل”، وهي قاعدة ذهبية بلا شك.

المشكلة الأساسية في الفيلم تكمن في السيناريو الذي كتبه وائل حمدي، نتيجة افتقاده لعنصر الإقناع

ويمكن منح القصص الأربع العناوين التالية التي ترتبط بشخصيات الذكور فيها: المكتئب، الرسام، المريض، والطفل.

القصة الأولى بطلها يوسف، وهو شاب يعاني من الاكتئاب لأسباب غير مشروحة، ينفصل عن خطيبته بعد أن شعر بعدم الانسجام معها، ثم يشرع في الانتحار بالقفز من فوق سور شرفة منزله، ولكن بمجرد أن يلمح فتاة تشير له بيدها من فوق سطح بناية قريبة، ورغم أنه لا يمكنه تبين ملامحها، سرعان ما يهبط ويتجه للعثور عليها فوق السطح، وعندما يراها يشعر برغبة في عناقها، وتفتح هي ذراعيها له ليذوب الاثنان معا، وتبدأ علاقة حب يعتبرها المحاضر مثالا على “جنون الحب”.

الفتاة رؤى متحررة، قوية الشخصية، تُعابثه أولا بسرد قصص مختلقة عن حياتها، يصدقها جميعها، قبل أن تروي له الحقيقة وهي أنها كانت مخطوبة لشاب قام باغتصابها، فرفضت الزواج منه وعقدت اتفاقا مع أسرتها على العيش بمفردها بعيدا عنها في تلك الشقة والاعتماد على نفسها، وفضلا عن عدم واقعية القصة وغرابتها، تكمن المشكلة في أن الممثلة ياسمين رئيس التي تقوم بدور رؤى، ترويها بنفس طريقتها في سرد القصص الكاذبة التي كانت تُعابث بها يوسف، أي في بساطة ومرح، دون أي شعور بقسوة التجربة، بل إنها ترحب بالتلامس الجسدي معه من أول لقاء، لكي يتطور الأمر إلى الزواج، ثم الحمل.

وكما ترك يوسف خطيبته واتجه إلى فتاة لا يعرف عنها شيئا، وقع في حبها قبل أن يراها، تتخلى علا المحجبة (في القصة الثانية)، عن خطيبها بعد أن تلتقي بالرسام الشاب رامي، وهو متمرد عابث، يرسم وجهها في صورة جميلة دون الحجاب، ثم بتحليله لشخصيتها بما يتفق مع حقيقتها.

لعل من أفضل مشاهد الفيلم، سينمائيا، مشهد تبادل الرسائل الإلكترونية بين علا ورامي، وهو ما يمهد لوقوع علا في حب رامي، وتبدلها ثم تخليها عن الحجاب، ولكن مع تطور علاقتها به، تبدأ شكوتها من تقاعسه عن ممارسة عمل حقيقي يتماشى مع تصورها لصورة الرجل، كما يشرح لنا المحاضر.

تتقاطع مع القصتين، قصة كريم ودينا، الأول طالب ثانوي يرقد في المستشفى لإجراء عملية جراحية بسيطة، ودينا، ابنة السابعة عشرة التي تزوره فيعرب لها عن حبه لها دون مقدمات، ولكن سرعان ما تنتهي “صرعة” الحب المفاجئ بعد أن تتغيب دينا عن زيارته في المستشفى أثناء معاناته من آلام ما بعد العملية، رغم أنها تشرح له كيف صادرت أمها (أنوشكا) هاتفها المحمول ومنعتها من الذهاب إليه، بدعوى أنها لا تزال “صغيرة على الحب”، وبالتالي يصبح قطع كريم للعلاقة غير مقنع.

أما العلاقة الرابعة فليس من الممكن أصلا وصفها بعلاقة حب، فهي صداقة بين طفل يعاني من تأزم العلاقة الزوجية بين والديه وشعوره بالوحدة، وطفلة جارته، تحاول مصادقته والتسرية عنه ومشاركته اللعب، لكنه يشعر حينا بـ”الغيرة” عندما تتركه لتلعب مع طفل آخر (تفصيل غير مقنع، بل يبدو تأثيره كوميديا)، وحينا آخر، تزداد حالته النفسية سوءا بعد انتحار أمه (كنده علوش) لسبب غير مقنع أيضا، هو انفصالها عن زوجها الذي لا تحبه على أي حال.

هناك إفراط واضح في حالات الانتحار التي يتطرق إليها الفيلم، فهناك أولا انتحار كنده علوش في دور كان يمكن استبعاده من الفيلم دون أن يحدث أي خلل، بل ربما يعتدل الإيقاع، وثانيا انتحار والدة رامي الذي نعرفه من خلال ما يرويه لعلا، ودون أن يقدم أي سبب مقنع. وثالثا محاولة علا السابقة الانتحار لسبب لا يكشفه الفيلم، وعندما تسأله كيف عرف بمحاولتها الانتحار، يقول إنه رأى في عينيها نظرة شبيهة بتلك التي رآها في عيني أمه، وهو أيضا تفسير بعيد تماما عن الإقناع!

شخصية كريم غير واضحة المعالم، ونعرف من خلال ما ترويه “دينا” للممرضة أنه فقد والديه في حادث وأصبح وحيدا، وبالتالي فكل الشخصيات وحيدة تعيش بمفردها في شقق فسيحة دون أن نعرف من أين يأتون بالمال؟ وماذا يعملون بالضبط؟ (نعرف فقط أن رامي ورث ثروة عن والده)، ولا يستفيد الفيلم دراميا من العلاقة بين عبدالحميد، وهو مريض لا يكف عن التدخين وينتظر إجراء عملية بالمخ، وكريم، قبل أن يموت عبدالحميد بعد فشل العملية.

يفسد شكري الفيلم بشروحه المطولة، ويقطع السرد كثيرا قبل اكتمال بعض الخيوط واتضاح العلاقات كما كان ينتظر المشاهد، ويبدو الحوار بين شكري وأحد الشباب، الذي يحضر المحاضرة، غير ذي فائدة من الناحية الدرامية، ثم تأتي المفاجأة في النهاية بعيدة كل البعد عن أي إقناع، عندما يروي شكري كيف سقط يوسف من فوق سور منزله ليلقى حتفه، وهو في قمة شعوره بالسعادة بعد أن تخبره رؤى أنها حامل، وهي نهاية تراجيدية غير مفهومة، رغم ما سيقدمه من شروح لها في ما بعد.

المخرج هادي الباجوري يعيد اكتشاف معظم الممثلين والممثلات من جيل الشباب الذين شاركوا في الفيلم

مصائر عجيبة

هذه المصائر العجيبة المفاجئة غير المقنعة، تمتد دراميا وفنيا، عندما نعرف أن شكري هو نفسه بطل القصص الأربع، وهي استحالة درامية تماما، خاصة مع تقاطع العلاقات بين الشخصيات، كما تظهر حبيبته السابقة، التي فشلت علاقته بها، في المحاضرة، ولكن على صورة (شيرين رضا)، بينما نستنتج أن نيللي كريم التي حسبناها ابنته من رؤى، هي رؤى نفسها دون أن نعرف بالطبع مصير ابنته المفترضة (أو ابنه)، فلا ذكر لهما في الفيلم.

يمكن قبول المراحل السبع التي يعرضها شكري للحب كوجهة نظر، ولكن ليس من المعقول أن تمر علاقة الحب بكل هذه المراحل بهذه السرعة، فهي عادة تستغرق سنوات، والنتيجة أن الفيلم الذي بدأ بداية قوية جيدة واعدا بحبكة درامية أكثر تماسكا، ينتهي نهاية ضعيفة، خاصة عندما يقول شكري لزوجته إنه اختار أن يجعل يوسف يموت في ما رواه خلال المحاضرة، لأنه (ميت ميت على أي حال) في إشارة إلى قرب موته بسبب مرضه، وهو تفسير لا يقنع أحدا!

ينبغي التأكيد على براعة المخرج هادي الباجوري في إدارة دفة الكثير من المشاهد، ودفع الإيقاع في الفيلم من خلال الانتقال المحسوب بين العلاقات الأربع التي تتقاطع في الفيلم، رغم اختلاف مساحات الاهتمام بها، كما يجب الإشادة باختياره مواقع التصوير، ونجاحه مع مدير التصوير، من خلال حركة الكاميرا واختيار الزوايا وتوزيع الضوء، في خلق حالة من السلاسة والحركة الناعمة داخل المشهد الواحد، حيث بدا كأنه يجعل الموضوع يدور في تلك المنطقة الواقعة بين الحقيقة والخيال.

لا شك كذلك أننا أمام حالة اكتشاف، أو إعادة اكتشاف، لمعظم الممثلين والممثلات من جيل الشباب الذين شاركوا في الفيلم، غير أن الممثل عمر يوسف في حاجة إلى التدريب على الأداء الصوتي بسبب الضعف الواضح في صوته، حيث بدا وكأنه يصدر غمغمات أو همسات غير مفهومة أو مسموعة، وخاصة في حواراته مع رؤى، التي تقوم بدورها ياسمين رئيس، وهي ممثلة لا تتمتع فقط بالقدرة على التقمص والأداء السلس أمام الكاميرا، بل تتميز أيضا بصوت قوي واضح معبر، وهو جزء أساسي من عمل الممثلين، على العكس مما يعتقد الكثيرون بكل أسف.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر