الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

نهاد عبدالقادر يرسم تحولات هدهد قلق

  • قدم الفنان السوري نهاد عبدالقادر معرضا ضمّ 36 لوحة تشكيلية بقياسات مختلفة في صالة "زمان" البيروتية، معظم الكائنات التي رسمها الفنان في لوحاته تفصح عن تحولاتها الجينية الغرائبية. تحولات لا تبدو مُقلقة، ربما لأن الفنان التقطها في لحظة استقرار لن تعرف بعده أي تغيرات تالية.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/08/12، العدد: 10363، ص(17)]

تعب ضروري للديمومة

بيروت - الحزن حاضر في لوحات الفنان السوري نهاد عبدالقادر في معرض البيروتي الأخير بصالة "زمان"، لا سيما عبر الملامح الإنسانية وهو، بدوره، هادئ اعتاد السكن في الوجوه المرسومة فأصبح حزنا عاديا “لا حكم عليه”، بالنسبة إلى الفنان وإلى الكائنات المرسومة على السواء.

يُمكن وضع لوحات الفنان في مجموعتين، مجموعة ترتكز على تقديم مشاهد يتخالط فيها الطبيعي مع الفانتازي وتلعب فيها الألوان دورا أساسيا، ومجموعة ثانية تتميز بتقشف لونيّ واعتماد أساسي على فن الرسم.

عنق الزجاجة

عوالم الفنان نهاد عبدالقادر تبدو وكأنها خارجة بأسرها من “عنق الزجاجة”، زجاجة غير شفافة وفّر لها مناخا تحوليا بمأمن من رؤية خشونة العالم المحيط، غير أن هذه الحماية الأولية لم تدم إلاّ مرحليا، كما لم تدم ذكراها في قلب الكائنات، ظهرت فقط في عين مُشاهد اللوحات.

معظم الشخوص المرسومة تظهر أمام المُشاهد، وكأنه مرّت على زمن خروجها من عنق الزجاجة سنون طويلة، لا يرسم الفنان آثار تلك السنين المؤلمة على الوجوه بقدر ما يرسم التعب الذي هادنه صاحبه واستسلم إليه، فبات ضروريا لديمومته.

أشكال جنينية تسبح في فضاء لوحة الفنان، وأُخرى تأخذ أشكال حيوانات مُستعارة من بيئة زراعية، نذكر من هذه اللوحات تلك التي تصور حميرا بأسلوب غرافيكي ملوّن، ونذكر أيضا اللوحات التي تبدو فيها الكائنات وكأنها اعتادت أن تكون مزيجا متجانسا إلى أقصى حدّ ما بين ديك بريّ وسحليّة، وما بين حمار وما يشبه جملا قد نجد رسوماته على جدران كهوف ما قبل التاريخ.

يعمد الفنان على إدخال أشكال جينيّة مائعة في لوحته عن قصد أو غير قصد، هي أيضا لا تخالف مبدأ التحولات المُستقرّة، تبدو أحيانا كلباس يناسب قياس شخوص لوحته، وأحيانا تظهر كقبعات هجينة تعتمرها وكأنها لصيقة برؤوسها.

أشكال جنينية تسبح في فضاء لوحة عبدالقادر، وأخرى تأخذ أشكال حيوانات مستعارة من بيئة زراعية

هذه المجموعة ليست أفضل ما قدّم الفنان، لا من ناحية البناء التشكيلي ولا من ناحية تقنية خلط الألوان، يكفي أن يشعر المُشاهد بوطأة التقنية المُفتعلة حتى يجد نفسه حائرا أمام ما قد يكون حيرة الفنان أيضا في اعتماد أسلوب فنيّ دون آخر.

الهدهد المغاير

من أجمل ما قدم الفنان في معرضه البيروتي، مجموعته الثانية التي يتقشف فيها لونيا، فيبرع تعبيريا، تقتصر ألوانه في هذه اللوحات على الأبيض والأسود والأحمر الداكن والبنفسجي وأيضا اللون الأزرق “المعدني” الذي يلعب دورا كبيرا في إضفاء جوّ غرائبي على لوحته.

لا تميّز هذه اللوحات ألوانها المُتقشفة فقط، بل الرسومات الجميلة والمُبتكرة التي يبدو فيها الفنان أكثر ارتياحا في تعبيره. مزيج من الطرافة والحزن “تحت السيطرة، والترقب الصبور يسيطر على تلك الأعمال، حيث تبدو كل لوحة من تلك اللوحات حاملة لأجوائها وكلامها الخاص”.

من المعروف عن طائر الهدهد، الذي ربما هو أجمل طائر على الإطلاق بأنه يتميز بتناسق ألوانه، وبعرفه الطويل وتاجه الملوكيّ بكل ما تعني الكلمة من معنى، كما يتميّز بطريقته الخاصة الديناميكية والمتقطعة في الطيران. أما الطائر الغرائبي الذي رسمه الفنان في محور لوحاته التي تحتضنها المجموعة الثانية، فهو يشبه “الهدهد”، ولكنه هدهد غير كل “الهداهد”، له ملامح بشرية مؤثرة وطريقة تعامل مع غرابته الشخصية، ظهّرها الفنان في وقفاته الهادئة والحكيمة التي لا يمكن لأي هدهد على وجه الأرض أن يتميز بها.

أشكال جنينية تسبح في فضاء لوحة الفنان

بالرغم من غرابة الطائر في هذه اللوحات، إلاّ أنه يشبه الهدهد “الأصلي”، وخاصة من ناحيتين، يشعر مُشاهده في اللوحات أنه قادر، أي الهدهد، تماما كما الهدهد الحقيقي على استخدام أهم أسلحته، وهو رشّ رذاذ ذي لون أسود وتركيبة زيتية في حال تعرض إلى هجوم ما، إذ تحفل بعض هذه اللوحات بهذا الرذاذ، وكأنه أثر لمعركة حدثت للتوّ.

أما الناحية الثانية التي يتشابه فيها طائر الفنان نهاد عبدالقادر بالهدهد، فهي ارتباط حضوره بثيمة سرد القصص والأخبار المُحمّلة من بلاد بعيدة، نذكر من أجمل تلك اللوحات وأكثرها تعبيرية اللوحة التي يظهر فيها هدهد-إنسان “يركُد” كالحصى باردا في عمق بحيرة غريبة المياه إلى جانب عُكاز، يرمق المُشاهد بنظرة غريبة، وتكمن قصته الخاصة في محاولته الصعود إلى سطح البحيرة عبر تحول تاجه إلى كائن برمائي.

وهناك لوحة أُخرى ينتصب فيها الطائر ويبدو أكثر إنسانية بالشكل والمضمون والقدرة “العزائية”، التي يبدو أنه يقدمها إلى الشخص المرسوم والواقف إلى جانبه، وللفنان لوحة يتحول فيها الطائر القابع في قعر البحيرة إلى طرف سمكة تمّده بأوكسجين الحياة.

من الجلي أن الفنان نهاد عبدالقادر يتمتع بموهبة كبيرة، وهو منغمس في تجارب أسلوبية مختلفة محاولا إيجاد نص فنيّ يناسبه، وهو قادر على ذلك حتما، لكن أغلب الظن، بالنسبة إلى مشاهد لوحته، أن قوّته التشكيلية تكمن في فن الرسم والتركيز على ما يمكن أن يقدمه تعبيريا، وذلك عبر استعمال ألوان محدودة، كما يبدو، وقد يكون هذا الانطباع مخطئا، أن استخدام الألوان ليس هو أكثر ما يبرع فيه، بل هو أكثر ما يعيق الطريق أمام تجربته الفنية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر