الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الأميرة النائمة

تحية إلى الفن المعاصر، تحية إلى الحب في أرجائه، وتحية إلى المرأة المُعاصرة التي لم تعد تشتهي قصصا إلاّ من غرباء كي لا تنام، ولكنها مع ذلك تريد أن تبقى 'صانعة للحكايات'.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/08/12، العدد: 10363، ص(17)]

في هذا العصر المأهول بالعنف والكذب لا تزال الروايات واللوحات التشكيلية تهوى التناول في مشهدياتها نفحات من عالم خرافي ساذج ينتصر فيه الخير دائما على الشر، والشغف على اللامبالاة.

يُذكر في هذا السياق أن الفن الديجيتالي يفيض بأجواء خرافية تفوق حتى أصغر تفاصيلها ما تقدمه السينما، لذلك يعتمد العديد من المخرجين السينمائيين على هؤلاء الفنانين لبناء سينوغرافي موفقّ لعوالم غرائبية تفوق الخيال، لا سيما أن التطور التكنولوجي يسمح بتحقيق وتنفيذ أغرب البصريات، كما يحمل كل موسم سينمائي جديد فيلما أو فيلمين على الأقل مُستقى من عوالم سحرية لم يقو الزمن على إبهاتها.

خلال السنوات القليلة الفائتة تم إنتاج وعرض أعمال ضخمة تعيد تقديم قصص خرافية كلاسيكية برؤية جديدة تدعم معايير اجتماعية ونفسية جديدة، تنتمي إلى هذا العصر، نذكر منها فيلم والت ديزني المتحرك المستوحى من قصة “روبنزيل” الخرافية “تانغلد”، حيث البطلة هي أميرة مُشاغبة وشجاعة قادرة على الاهتمام بذاتها، لا بل ومساعدة الملك ومملكته، وهي أكثر توهجا من “أمير الأحلام” الكريكاتوري الذي يلعب دورا بسيطا جدا في ملحمتها الشخصية، كما نذكر فيلم “ذات الرداء الأحمر” الجديد في منطق تعاطيه مع القصة الأصلية.

هكذا، أتت أعمال فنية تقدم رؤية ذكية تعيد النظر إلى محطات رئيسة في بناء شخصية الفتيان والفتيات على السواء، كما تنقل المشاهد الراشد إلى عوالم خيالية ساحرة ومشوقة.

أعتبر نفسي من هواة هذا النوع من الأعمال الفنية، أترقبها بحماسة شديدة ولا أتوانى عن مشاهدة فيلم يتناول قصة “الأميرة النائمة” أو غيرها من القصص المشابهة، وإن توالى إنتاجها وعرضها أكثر من مئة مرة في صيغ جديدة وأطروحات عصرية.

أشجع، كما يفعل الكثيرون، الأفكار الجديدة التي باتت تتضمنها هذه الأفلام، أدعم قضية حرية المرأة والمساواة وحوار الحضارات والتطورات التكنولوجية وما إلى ذلك، ولكن عندما يدخل الحب في قلب هذه “المعمعة” المعاصرة أجد نفسي في معظم الأحيان أفقد البوصلة تماما!

منذ فترة قصيرة قرأت مقالا وشاهدت صورا فوتوغرافية عن معرض فني معاصر يحمل عنوان “الحسناء النائمة” للفنان الكندي أوكراني الأصل، تاراس بولاتايكو، يقول الفنان إن هذا المعرض الذي يقدمه في الصالة الرئيسية لمتحف الفن الوطني في أوكرانيا “هدفه لفت الانتباه إلى القيم الأسرية المنحسرة وتجديد حس المسؤولية عند اتخاذ قرار الزواج”، ويضيف قائلا “أود أن أركز أيضا على جذور اندلاع نار الحب بين الرجل والمرأة وخاصة الجمال والفتنة عند النساء، مقابل الجرأة والشجاعة عند الرجال”.

أما المشروع الذي يتكلم عنه هذا الفنان المعاصر فيقوم “على فكرة استلقاء حسناء في سرير في صالة المتحف على أن تبقى مغمضة عينيها على مدى ساعتين من الزمن، قبل أن تستلم مكانها حسناء تالية، يُسمح للأعزب من زوار المتحف الراغب بتقبيل ‘الحسناء النائمة’ شريطة أن يتزوجا في حال فتحت عينيها إثر القبلة تلك، بتوقيعه على وثيقة تنص: إذا قبلت الحسناء وفتحت عينيها إثرها، أوافق على الزواج منها”.

يضيف الفنان أن “الحسناوات المشتركات بلغن سن الرشد القانوني ووقعن على عقد يلزم كل واحدة منهن بالزواج بالشخص الذي تفتح عينيها إثر تقبيله لها، هذا إذا سحرتها القبلة”.

بعد هذا التطور في الرؤية المعاصرة للفن وللحب على السواء، لم أعد أجد أيّ غرابة في ما قدمته الفنانة الفرنسية المعاصرة، صوفي كال، التي لقبّها صديقها الكاتب هيرفي غيبير بـ”صانعة الحكايات”، حينما صعدت هي وسريرها إلى أعلى طابق من برج إيفل واستلقت عليه كل الليل طالبة من الغرباء العابرين (من ضمن مهرجان ثقافي ليلي) أن “يخبروها قصة كي لا تنام”.

تحية إلى الفن المعاصر، تحية إلى الحب في أرجائه، وتحية إلى المرأة المُعاصرة التي لم تعد تشتهي قصصا إلاّ من غرباء كي لا تنام، ولكنها مع ذلك تريد أن تبقى “صانعة للحكايات”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر