الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

هل زورت الحملة الفرنسية حجر رشيد

  • تمكن العالم الفرنسي جيان فرانسوا شامبليون من كشف غموض حجر رشيد، ومعرفة الأسرار والرموز والنقوش المقدسة التي احتوته، والتي جاءت بثلاثة نصوص، الهيروغليفية المصرية، والديموطيقية، واليونانية القديمة. وهو الحدث الذي قدم مفتاح الفهم الحديث للهيروغليفية المصرية، وفتح آفاق التعرف على حضارة قدماء المصريين وفك ألغازها، وترجمة علومها وإحياء هذه اللغة بعد موتها لقرون عديدة.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/08/13، العدد: 10364، ص(17)]

من يفك شيفرات حجر رشيد

يركز الباحث المصري إيهاب غريب في كتابه “التقويم المصري: مفتاح فك شفرة النقوش المصرية القديمة”، على حجر رشيد، الذي طُرحت حوله العديد من الأسئلة التي ظلت محلّ جدل إلى يومنا هذا، رغم تعدد الكتب والدراسات التي تناولت هذه المسألة من منطلقات وخلفيات متعددّة، ذهبت حدّ التشكيك في حقيقة أصوله. ويتناول الكتاب، الصادر حديثا عن دار برمودة للنشر، جملة من الإشكاليات التي تتعلق بحقيقة حجر رشيد، والبعض من التصورات التي حفت به على مدى أكثر من مئتي عام.

نزع القداسة

قدّر لفريق من الباحثين في علوم المصريات من الذين يتحلون بفضيلة القلق، والقدرة على نزع القداسة عن ثوابت تاريخية، التشكيك في دراسات أثرية وتاريخية بني عليها تاريخ الحضارة المصرية القديمة، منها أن الحملة الفرنسية على مصر (1798 1801-) التي عثرت على حجر رشيد، في مدينة رشيد المطلة على البحر المتوسط، في أغسطس 1799، زوّرت احتواءه كتابات زعمت أنها لثلاث لغات، بينها اللغة اليونانية، الممثلة للحضارة الأوروبية ـ فيضمن الحجر المزيَّف، بذلك، للفرنسيين فرص المجادلة بحقوق تاريخية لأوروبا في آثار مصر وحضارتها.

في تاريخه الشهير “عجائب الآثار في التراجم والأخبار” يؤرخ عبدالرحمن الجبرتي لسنة 1213 للهجرة (15 يونيو 1798 4- يونيو 1799) لآثار حملة عسكرية لم تتورع عن اقتحام الأزهر، بعد تودد نابليون إلى الشعب، وطمأنته في 9 يوليو 1798، عبر مكتوب يبدأ بالبسملة وتوحيد الله، والتبشير بالحضارة القائمة على الحرية والمساواة. ولكن المقاومة الوطنية للاحتلال، في عموم مصر، لم تتأخر أو تتردد، إذ تصاعدت في مواجهة القتل والتخريب وحرق قرى تمتنع عن دفع ضريبة يسميها الجبرتي “كلفة”.

خلف هدير مدافع الحملة عكف جيش آخر من العلماء والفنانين على “وصف مصر”، رسم المصورون كل شيء، وكان هناك من يصور المساجد والأسبلة والتكايا والمعابد والحيوانات والحشرات والأسماك.

إذا أتيح لاجتهادات علمية مصرية في مجالي الآثار والتاريخ أن تشكل تيارا بحثيا فربما يؤدي ذلك إلى إعادة صياغة التاريخ القديم

التاريخ المصري المستقر، وفقا لإجماع علماء المصريات والمؤرخين يبدأ بفترة مبكرة من عمر البلاد، قبل أن تتوحد جغرافيا وإداريا تحت حكم مركزي نحو عام 3100 قبل الميلاد على يد الملك مينا مؤسس الأسرة الأولى، وقد استمرت مراحل الصعود والانهيار عبر حكم ثلاثين أسرة، إذ أنهى الإسكندر الأكبر حين غزا مصر عام 332 قبل الميلاد حكم الأسرة رقم 30. وقد قسم الكاهن المصري مانيتون، الذي عاش في مدينة “سَمَنُّود” عاصمة الأسرة الثلاثين بـ”محافظة الغربية حاليا”، تاريخ مصر إلى 30 أسرة، بأمر من بطليموس الثاني الذي حكم مصر بين عامي 284 و246 قبل الميلاد، وجاءت الأسماء وفقا للنطق اليوناني.

أما الأسطورة المستقرة كحقيقة تاريخية وطبيعية عن حجر رشيد فهي عثور بيير بوشار، الضابط في سلاح المهندسين، في قلعة بمدينة رشيد على حجر يحمل نقوشا لنص واحد مكتوب بثلاثة أنواع من الخطوط وهي: الهيروغليفية (النقوش المقدسة وفقا للتسمية الإغريقية) والديموطيقية (الكتابة الشعبية المصرية) والإغريقية. وقد ظل الأمر لغزا إلى أن تمكّن شامبليون في سبتمبر 1822 من كشف غموضه، ومعرفة أسرار رموز المنظومة المركبة للنقوش المقدسة (الهيروغليفية).

ويذكر عالم الآثار المصري عبدالحليم نور الدين في المجلد الأول من كتابه “آثار وحضارة مصر القديمة” أن الحجر يتضمن مرسوما من الكهنة في منف “يشكرون فيه الملك بطليموس الخامس (إبيفانويس) حوالي عام 196 قبل الميلاد، لقيامه بوقف الأوقاف على المعابد وإعفاء الكهنة من بعض الالتزامات. أراد الكهنة أن يسجلوا هذا العرفان بالفضل للملك بالخط الهيروغليفي” الذي كان يستخدمه البطالمة منذ احتلالهم مصر عام 332 قبل الميلاد. ولكن هذه التفاصيل الموجودة بالحجر الحالي لا وجود لها في الأخبار المعلنة وقت العثور على الحجر.

نسخة غير أصلية

يذكر جان لاكوتير في كتابه “شامبوليون: حياة من نور” أن صحيفة كورييه ديجيبت نشرت في الثاني من فروكتيدور العام السابع لتقويم الثورة الفرنسية (15 سبتمبر 1799) برقية مؤرخة في 19 أغسطس 1799، تعلن العثور على “حجر من الجرانيت الأسود الرائع، حُبيباته رفيعة للغاية وصلب جدا لدى طرقه، ارتفاعه 36 بوصة وعرضه 28 بوصة، ويتراوح سمكه بين 9 و10 بوصات، توجد على أحد وجهيه فقط، المصقول صقلا ناعما، ثلاثة مخطوطات مختلفة منحوتة في ثلاث مجموعات من الخطوط المتوازية. المجموعة العليا، الأولى، مكتوبة بحروف هيروغليفية. المجموعة الثانية، الوسطى، مكتوبة بحروف يعتقد أنها سريانية، أما المجموعة الثالثة فهي مكتوبة باليونانية. تمت ترجمة جزء من النص اليوناني بأوامر الجنرال مينو. يتيح هذا الحجر فرصة عظيمة لدراسة الحروف الهيروغليفية”.

كتاب يعيد قراءة ثوابت الدراسات التاريخية للحضارة المصرية

فهل يكون حجر رشيد الحالي “نسخة غير أصلية”، كما يذهب إلى ذلك إيهاب غريب في كتابه “التقويم المصري”، بهدف ربط التاريخ المصري القديم بالروايات الأسطورية المستخلصة من الكتاب المقدس؟

يسجل إيهاب غريب في كتابه “التقويم المصري” أن في أول خبر نشره الفرنسيون عن “الحجر المدعى العثور عليه في رشيد” في صحيفة كورييه ديجيبت مقاييس ومضمونا يختلفان عن مقاييس ومضمون الحجر الموجود بالمتحف البريطاني، فالخبر المنشور عام 1799 يصف الحجر بأن ارتفاعه 91.44 سنتيمترا، أما الحجر الموجود حاليا بالمتحف البريطاني فارتفاعه 113 سنتيمترا.

ويقول الخبر إن الجنرال مينو عمل على ترجمة جزء من النقوش اليونانية، وإنها تتلخص في أن بطليموس فيلوميطر أعاد فتح جميع قنوات مصر، وإن هذا الأمير استخدم في أعماله عددا كبيرا جدا من العمال، وأموالا طائلة وقد استغرقت 8 سنوات من حكمه، ويعلق قائلا إن المطلوب من حجر رشيد أن يمهد لإقامة قناة بطليموس، قناة السويس لاحقا.

مصدر دهشة المؤلف أن النص الأسفل، اليوناني، كان الوحيد المقروء آنذاك، ومن المستبعد أن يكون الجيش الفرنسي والمجمع العلمي، الذي أسسه نابليون بالقاهرة قبل عام من الإعلان عن اكتشاف الحجر، قد أخطآ في قراءة النص اليوناني الذي زعما أنه يتحدث عن قيام بطليموس الملقب بفيلوميطر “الذي لم يكن قد ولد بعد” بإعادة فتح جميع القنوات.

ويرجح الكاتب أن الإعلان عن هذا المضمون، الذي سيختلف عن مضمون حجر رشيد الحالي، نتج عن التسرع، قبل التوصل إلى الصيغة النهائية للنص المسجل على الحجر، بأمر من نابليون للفنيين «المنوط بهم تزويره»، تمهيدا لتسليمه إلى الإنكليز الذين يفترض أنهم لا يعرفون ما يحوزه الفرنسيون من آثار ولا أهميتها ـ ليصير الحجر بصيغته الحالية النهائية “المختلفة عن الأخبار المعلنة عنه، لإضفاء صيغة المصداقية على أصالته.

ولتوسيع دائرة المسؤولية القانونية عنه”، وضمان نسبة عدد من المعابد “الفرعونية” إلى الإغريق والرومان، ومنها معبد إيزيس في جزيرة فيلة بأسوان في أقصى الجنوب المصري، كما نجحوا في ربط التمثالين الصرحيين للملك أمنحتب الثالث أمام معبده الجنائزي غربي مدينة الأقصر باسم القائد الإغريقي الأسطوري أجا ممنون.

ربما يحتاج حجر رشيد الحالي، وما بني على قراءاته من نتائج، إلى دراسات أثرية وتاريخية يفترض أن تحدث زلزالا في علم المصريات؛ إذ يرى المؤلف أن الحجر الحالي “مزوّر”، وأن التحليل اللغوي لمضمونه لا يثبت صلة حقيقية بين النقوش الثلاثة الموزعة على سطحه، وأن ما روجه الأوروبيون من “حقائق مستنتجة منه وهي ليست فيه” يغني عن فحص الحجر كيميائيا للتأكد من أنه “صناعة فرنسية” استهدفت “مسح التاريخ لا إثباته”، كما فتح شهية الأوروبيين لنهب الآثار المصرية، وتحويلها إلى بلادهم.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر