الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

اللعنة الأبدية تحل على المرأة: 'اللي اختشوا ماتوا' ميلودراما لا تقنع أحدا

الفيلم المصري يبرز العلاقة القائمة بين الذكورية والقمع، وبين الاشتهاء الجنسي والرغبة في إثبات التفوق والقوة والسيطرة من جانب الرجل على المرأة.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/08/14، العدد: 10365، ص(16)]

نجمات شهيرات في فيلم صنف للكبار فقط

أتيحت لي أخيرا الفرصة لمشاهدة الفيلم المصري “اللي اختشوا ماتوا” من إخراج إسماعيل فاروق (مخرج “عبد موتة” و”القشاش”)، وكان هذا الفيلم قد حظي بالكثير من الدعاية والاهتمام الإعلامي بسبب تصنيفه للكبار فقط، ووجود عدد من الممثلات اللاتي يقال لهن “نجمات” في السينما المصرية، على رأسهن غادة عبدالرازق، ثم عبير صبري وهيدي كرم وسلوى خطاب ومروة عبدالمنعم وأميرة الشريف ومروى.

فكرة الفيلم تبدو من الخارج، جيدة، ويمكن أن تصنع فيلما جادا شريطة أن يتوفر لها كاتب سيناريو يتعامل مع الموضوع بجدية ويعتني ببناء الشخصيات وكسوها بملامح حقيقية تجعلها تصبح من لحم ودم، لا مجرد شخصيات كرتونية نمطية تثير الضحك عليها عندما يكون المطلوب أن نبكي معها!

والفكرة هي كيف تعاني النساء الباحثات عن التحقق من خلال عمل شريف، والتحرر من الخضوع لأسر الرجل، فينقلب عليهم الرجال، وتتحول حياتهن إلى جحيم في مجتمع ذكوري بطبيعته، مع تلك العلاقة القائمة بين الذكورية والقمع، وبين الاشتهاء الجنسي والرغبة في إثبات التفوق والقوة والسيطرة من جانب الرجل على المرأة.

لدينا هنا سبع نساء يجمعهن مكان واحد هو “شقة” في وسط القاهرة (أو ما يعرف بـ “بنسيون” طبقا للموروث الإيطالي في اللهجة المصرية) تملكها راقصة قديمة معتزلة هي “صفية” (سلوى خطاب) تؤجرها للنساء فقط، وقد أطلقت عليها “بنسيون شيشة”، ولكن “صفية” ليست الشخصية المحورية في الفيلم بل ابنة شقيقتها “ليال” (التي تقوم بدورها غادة عبدالرازق). فهي ممرضة تحظى بالثقة والاحترام في عملها، تتمتّع بشخصية قوية وجذابة، تقع في حب طبيب يتزوجها فتكرس له كل ما تملك من مال لتحقيق أحلامه في امتلاك مستشفى خاص، ثم تنجب منه ابنتها، لكن الحياة لا تسير سيرا حسنا كما سنرى. هناك أيضا هيدي كرم التي تبحث عن فرصة لكي تصبح ممثلة دون أن تسقط في حبائل الرجال الذين يريدون استغلالها جنسيا كوسيلة للصعود، وفتاة أخرى (أميرة الشريف) فرّت من قريتها في الصعيد لكي تتزوج الرجل الذي تحبه على غير رغبة أهلها، لكنّه اضطر للرحيل عن مصر بعد أن عثر على فرصة عمل وتركها حامل، ثم هناك عبير صبري التي تنكّرت لها والدتها وطردها زوج أمها فاضطرت لبيع جسدها لسماسرة الدعارة، وفتاة أخرى (مروة عبدالمنعم) جاءت من الريف وتستعد للزواج بعد أيام.

اضطراب البناء

هذه المعلومات لن نعرفها سوى بعد أن يكون الفيلم قد بدأ بهذا المشهد الصادم حيث نشاهد القبض على النساء السبعة متلبسات مع رجال شبه عراة، ورجال الشرطة يجذبونهن بالقوة على سلالم العمارة وسط صرخات الاحتجاج والغضب. سينتهي الأمر بإطلاق سراحهن بسبب عدم كفاية الأدلة، ولكننا سنظل إلى ما قبل النهاية بقليل، قبل أن نعرف أن الموضوع ملفّق، وأن وراء تلفيقه مواضيع وتشابكات أخرى غير مقنعة بل تبدو مستحيلة التصديق. وقبل ذلك نرى ليال (غادة عبدالرازق)، تتعرض للقبض عليها بتهمة حيازة أدوية وعقاقير مخدرة، سنعرف فيما بعد أيضا أنها مدسوسة عليها.

كيف تعاني النساء الباحثات عن التحقق من خلال عمل شريف، والتحرر من الخضوع لأسر الرجل، فينقلب عليهم الرجال، وتتحول حياتهن إلى جحيم في مجتمع ذكوري بطبيعته، مع تلك العلاقة القائمة بين الذكورية والقمع، وبين الاشتهاء الجنسي والرغبة في إثبات التفوق والقوة والسيطرة من جانب الرجل على المرأة

لكنها ستقضي سبع سنوات في السجن بموجب هذه التهمة، ثم تخرج لتجد أن زوجها اختفى مع ابنتها، وتلجأ للسكن عند خالتها صفية. وليال هي التي تروي لنا الأحداث بصوتها مدعمة بالصور من وجهة نظرها، كما تلخص للمتفرج خلفيات الشخصيات النسائية الأخرى في الفيلم، ولكن هذا الأسلوب لا يستمر فسرعان ما تصبح زاوية الرؤية محايدة، وهو خطأ قاتل بالطبع، أدّى إلى تشتت الفيلم وعدم قدرة مخرجه على السيطرة، لا على شخصياته التي تفتقد الإقناع، ولا في إيقاعه الذي أصبح يتأرجح صعودا وهبوطا، فالسيناريو يتبع خطا متعرجا، يخفي قبل أن يكشف، ولكن وهو يكشف لا يلجأ كما هو متوقع طبقا لهذا الأسلوب في السرد، أن يعود إلى الصور من خلال مواقف محددة تتداعى في سلاسة ووضوح، بل من خلال الحوار والحكي والشرح الطويل المسهب، مرة أخرى، دون أيّ إقناع.

على سبيل المثال، تروي عبير صبري للضابط بعد القبض عليها كيف أنها اتفقت مع بائع الملابس الشاب (محمد محمود عبدالعزيز) الذي يقطن في الطابق الأرضي من العمارة التي يقع فيها البنسيون، (وسبق أن شاهدنا تحرشه بها وبغيرها من زميلاتها) لكي تدبر معه حيلة القبض على صاحباتها بتهمة ممارسة الدعارة عن طريق تسهيل دخول الرجال السبعة ليلا من باب المطبخ قبل مداهمة الشرطة المنزل، وذلك مقابل مبلغ مئة ألف جنيه (وهي تحبس معهنّ بالطبع بنفس التهمة!)، ثم تستطرد لتروي كيف أن (عبدالعزيز) لم يدفع لها باقي المبلغ، فقامت بقتله عقب مشادة بينهما في شقته (نشاهد هذا من خلال الصورة) ثم تقوم بوضع بصمات ليال على السكين بينما كانت نائمة (!)، وتخفي السكين تحت فراشها.. وغير ذلك من التفاصيل التي تبدو أقرب إلى قصص الأشباح الأسطورية.

كل الرجال أشرار: الضابط وبائع الملابس والطبيب وأهل الفتاة الصعيدية الذين يريدون الفتك بها، وسكان المنطقة التي يقع فيها “البنسون” الذين يتسترون بالدين في حين أنهم يطمعون في أجساد النساء، والرجال الذين يتقاضون مالا لكي يلعبوا دورا في تمثيلية “الدعارة”.

ميلودراما رديئة

هذا بالطبع أحد أفلام الميلودراما الرديئة، فهو يمتلئ بالكثير من المبالغات والتوليفات المصطنعة التي تسعى لابتزاز تعاطف المتفرج مع بطلاته من النساء، وإدانة من يخفي تحت قناع الطيبة شخصية تتصف بالجشع والشر، وكيف أنه لم يكن من البداية مقتنعا بالزواج من ممرضة، بل كان يريد فقط استغلالها والحصول على أموالها لكي يتخلص منها ويبعدها عن رؤية ابنتها ليتولى هو تربيتها، أولا بتلفيق قضية المخدرات، ثم الدعارة ثم القتل!

الأداء المفتعل المبالغ فيه من جانب الممثلات (خصوصا الأداء الممطوط السخيف من جانب سلوى خطاب) جاء مثيرا للرثاء

والحقيقة أن مما يجعل متابعة هذا الفيلم أمرا مرهقا، موسيقى تامر كروان المزعجة التي تبدو كما لو كانت لا تعرف متى تبدأ وأين تتوقف، فهي تستمر معظم الوقت، بنغماتها التقليدية الرديئة المزعجة للأذن، والتي كثيرا ما تطغى على الحوار نفسه، ولا شك أن المخرج يتحمل مسؤولية هذا الإفراط المزعج. ورغم أن بناء الفيلم المترهل يميل للشرح والتفسير بسبب عجز الصورة السينمائية، إلا أن هناك الكثير مما سقط في الطريق وكان يقتضي تصويره، كما في حالة مقتل الفتاة الصعيدية التي نراها بعد أن أصبحت جثة دون أن نعرف كيف ومن الذي قتلها، وأين حدثت الجريمة.

وجوه قبيحة

من الملامح التي تدعو للنفور بصريا، لقطات “الكلوز أب” القريبة لوجوه الممثلات المنتفخة الملطخة بالألوان الصارخة، مما جعلها تبدو شديدة القبح، وكلها بالطبع نتاج محاولات فاشلة لإخفاء ملامح تقدم الزمن. إضافة إلى هذا، جاء الأداء المفتعل المبالغ فيه من جانب الممثلات (خصوصا الأداء الممطوط السخيف من جانب سلوى خطاب) مثيرا للرثاء، ربما باستثناء غادة عبدالرازق التي حاولت إضفاء بعض الملامح الإنسانية على دورها رغم عدم مناسبتها للدور أصلا.

وكما أن هناك مشهدا فاضحا لسبع نساء يهبطن بالقوة في صحبة رجال المباحث شبع عاريات، وهو مشهد يتكرر بعد ذلك، هناك مشهد حفل زفاف مروة عبدالمنعم الذي ترقص فيه النساء وتشتركن في أغنية سوقية، وهناك مشهد لمشاجرة شرسة تقع دون سبب درامي واضح، بين غادة عبدالرازق وعبير صبري، وعندما تحل “ليال” (غادة) على البنسيون في بداية الفيلم، ورغم أزمتها النفسية المفترضة بسبب تجربتها الطويلة في السجن ومحنتها الشخصية، تتحلّق حولها النساء الست ويطلبن منها أن ترقص، فتستجيب وتقدم رقصة طويلة يشتركن جميعا فيها، لا لهدف إلا لإرضاء شباك التذاكر حسب المفهوم السائد في السينما المصرية التجارية منذ أربعينات القرن العشرين.

ناقد سينمائي من مصر

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر