الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

الاحد 22 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10789

ليس حنينا بل سؤال

الكفاح الإنساني- الوطني من أجل الحرية يفتق القوة المبدعة الكامنة في نفوس النخبة والنَّاس عموماً، وتجربة الفلسطيني داخل فلسطين التي احتُلت عام 48 تؤكد ذلك.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/08/16، العدد: 10367، ص(14)]

وقع بين يدي كتيب طريف وممتع بعنوان “الرحلة الفنية إلى الديار المصرية 1932” كتبه بالفرنسية أليكسي شوتان، وعرّبه عبدالكريم أبوعلو، ودرسه وحققه رشيد العفاقي. وقد قرأته وأنا في الطائرة المغادرة من دبي إلى باريس.

ويحكي الكتاب وقائع مؤتمر الموسيقى العربية الأول الذي عقد في القاهرة في شهري مارس وأبريل من عام 1932 وحضور وفد الموسيقيين المغاربة لهذا المؤتمر. وكانت الدعوة قد وُجهت من قبل الملك فؤاد الأول، ملك مصر. ليس في نيتي أن أعرض لهذا الكتيب بل أردت التوقف عند البعض من الوقائع التي يأتي على ذكرها من حيث دلالتها.

المؤتمر عقد في القاهرة بدعوة من الملك عام 1932 كما أشرنا، أي في زمن كانت فيه جميع الدول العربية خاضعة للاستعمارين الفرنسي والإنكليزي باستثناء السعودية وشمال اليمن. ومع ذلك كان هناك انشغال بالموسيقى نخبةً وجمهوراً.

ففي المغرب يحدثنا المؤلف عن علاقة الأعياد الخاصة والعامة بالغناء والطرب وأن أهل اليسار والبيوتات وزعماء القبائل يدعون إلى ديارهم “أصحاب الموسيقى المغربية المشهورين، وأحياناً يسكنونهم في منازلهم على مدى الحياة”. ويعجب من “اهتمام أهل الدين والدنيا معاً بالموسيقى وإنفاقهم للقناطير المقنطرة من الذهب على تعليمها وترقيها وإحكام أصولها”. ثم يعرج على وصف الوفود التي شاركت في المؤتمر، والحفلات التي أُحيت على هامشه، ويتوقف بشكل خاص عند الوفد السوري وبخاصة الفرقة القادمة من حلب، فيشيد بمعرفتهم العلمية بالموسيقى ومستوى عزف الفرقة الموسيقية الحلبية، ولا ينسى أن يشيد بأم كلثوم آنذاك.

كانت معظم بلدان العرب يومها خاضعة للاستعمارين الفرنسي والإنكليزي كما أشرنا، كيف لبلدان خاضعة للاستعمار أن تجد الوقت والشروط التي تجعلها تهتم بالموسيقى؟ هل كانت النخبة في وادٍ والشعب في واد؟ أم أن وعي الناس آنذاك كان يفصل بين حياتهم الإبداعية وحياتهم الكفاحية؟ أم أن حب الحياة عبر حب الموسيقى هو نوع من المقاومة للاحتفاظ بقوة الروح أمام المستعمر؟

ولقد رأيت أن الكفاح الإنساني- الوطني من أجل الحرية يفتق القوة المبدعة الكامنة في نفوس النخبة والنَّاس عموماً، وتجربة الفلسطيني داخل فلسطين التي احتُلت عام 48 تؤكد ذلك، لم يكن ازدهار الشعر على يد درويش والقاسم، والرواية على يد أميل حبيبي إلا فعل مقاومة. والإبداع السوري في المنافي يؤكد زاوية رؤيتنا هذه.

فالإبداع في ظل الكفاح الوطني ليس مطلوباً فحسب، بل هو ثمرة طبيعية من ثمار الكفاح الكلي، ودور الموسيقى اليوم عظيم وكبير وفاعل، بل إن أغنية تزود الناس بالأمل وتسمو بذوقهم لهي اليوم أكثر أهمية بما لا يقاس من التحليل الإستراتيجي الذي ينتشر الآن عبر كل الفضائيات العربية. وكذا فعل القصيدة والرواية والمسرحية. بقي أن أقول ليت فؤاد الأول قد أورث حكامنا البعضً من ذوقه الفني الموسيقي واهتمامه بالأوتار.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

:: اختيارات المحرر