السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

سؤال اللغة

التطور الذي شهدته الرواية أفقيا وعموديا وشيوع ظاهرة التجريب، جعل سؤال اللغة يتراجع كثيرا، بعد أن أصبحت الفصحى تتسيد مشهد الكتابة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/08/16، العدد: 10367، ص(15)]

واجهت الرواية الواقعية العربية منذ بداياتها سؤال اللغة، كجزء من محاولتها الإيهام بواقعيتها وتمثلها للبيئة الاجتماعية، التي تحيل عليها. توزع الروائيون في موقفهم من هذه القضية على تيارين، تيار رأى أن استخدام العامية المحلية في السرد تأكيد على النزعة القطرية وتنكر للغة الفصحى الجامعة، التي حفظت تراثنا وهويتنا الثقافية والقومية، وتيار آخر وجد أن هذه اللغة عاجزة عن نقل روح البيئة المحلية وتمثل خصوصيتها الاجتماعية، وبالتالي التعبير الصادق عن الواقع المتخيل وشخوصه في العمل الروائي.

وفي سبيل حل هذه الإشكالية لجأ الكثير من الروائيين إلى استخدام اللغة العربية المبسطة في السرد الحكائي، بينما أصر روائيون آخرون على استخدام اللغة الفصحى في السرد والوصف، واللغة المحلية في حوار شخصياتها، لكي يتناسب ما تقوله وتعبر عنه مع بيئتها ومستواها الاجتماعي والثقافي. ويعد الروائيون المصريون أكثر من لجأ إلى هذا الأسلوب، الذي لم يمنع العديد منهم من استخدام اللغة الفصحى واللهجة المحلية في كتابة رواياتهم.

وكنتيجة لذلك واجه القارئ العربي مشكلة في استيعاب وفهم دلالات هذه اللغة المحلية، لكن الانتشار الواسع للرواية المصرية وهيمنتها على المشهد الأدبي العربي، ساهم في كسر هذا الحاجز، حيث ساهم الحضور الواسع للسينما المصرية في تلك المرحلة في انتشار هذه اللغة، والتعرف إلى دلالاتها، في حين بقيت الرواية في بلاد الشام تتخذ من اللغة الفصحى خيارا وحيدا لها في الكتابة.

في مرحلة لاحقة، ومع تطور الرواية العربية، لجأت بعض التجارب إلى استخدام اللهجة المحلية في حوارات شخصياتها، إخلاصا منها لروح البيئة الاجتماعية التي تكتب عنها وتتحرك فيها شخصياتها، كما هو الحال في روايتي اللاز وعرس بغل للجزائري الراحل الطاهر وطار، لكن الروائيين والروائيات المغاربة ظلوا بصفة عامة يستخدمون اللغة الفصحى في أعمالهم التي اتخذ قسم لا بأس به منها التاريخ فضاء لكتابة تجاربهم.

لكن التطور الذي شهدته الرواية أفقيا وعموديا وشيوع ظاهرة التجريب، جعل سؤال اللغة يتراجع كثيرا، بعد أن أصبحت الفصحى تتسيد مشهد الكتابة، نتيجة التبدل الذي طرأ على منظور الرواية، وانشغالها أكثر من أي وقت بقضايا الإنسان العربي الراهنة سياسيا ووجوديا واجتماعيا وحضاريا، بما فيها قضايا تحرر المرأة. لذلك كان على لغة الرواية أن تتناسب مع وضع شخصياتها الثقافي، وأشكال طرحها لقضايا الحياة الجديدة.

لقد تراجع حضور رواية القاع الاجتماعي، وأصبحت شخصيات الرواية غالبا من الطبقة المثقفة، لذلك كان لا بد لهذا التحول في عالم الرواية ومنظورها السردي وفي طبيعة شخصياتها أن ينعكس على واقع اللغة فيها وخياراتها مبنى ومعنى.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر