الثلاثاء 28 فبراير/شباط 2017، العدد: 10557

الثلاثاء 28 فبراير/شباط 2017، العدد: 10557

لصوص غير ظرفاء

لأن الأمية الثقافية في أفضل حالات ازدهارها، يستمر الانتحال وتستمر السرقات، دون أن يقدر أحد على وقف أصحابها أو الإشارة إليهم بسوء.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/08/16، العدد: 10367، ص(16)]

هناك الكثير ممن يدمنون انتحال شخصيات ليست لهم، وادعاء مواهب لا تتوفر لديهم، لكن لديهم القدرة على إقناع البسطاء بمواهبهم العبقرية، رغم أنهم يعتمدون على الانتحال والاقتباس والسرقة من جهود الآخرين، في حقول الفن والأدب والفكر، خاصة بعد أن أصبح المجال مفتوحا لكل من يستطيع الحديث في الفضائيات، التي ترحب بكل من يستطيع أن يقول أي كلام لتعبئة المساحات على موجات الأثير الرقمية التي لا تتوقف عن البث.

هؤلاء إذا ما تصادف أن جمعك بهم مجلس، وتحدثت أمامهم في قضية ما، سرعان ما تجد ما قلته منشورا في اليوم التالي هنا أو هناك.

هذا النوع من لصوص الكلمة متوفر كثيرا في سوق الثقافة والصحافة في العالم العربي حاليا، وقد كنت دائما أتساءل لماذا تخصص الصحف مصححين لمراجعة مدى استقامة اللغة وسلامتها؟ ولا تخصص من يمكنهم ضبط سرّاق الأفكار ولصوص الآراء؟ وكشفهم أمام القراء على نحو يردعهم.

ومع ذلك، لا يبدو أن أحدا يهتم، وإذا وجد من يهتم فإنه يتقاعس عن الكلام، بل يركن إلى الصمت، بدعوى أن السوق مفتوحة، وأنه لا بد أن يفرز الصالح من الطالح على المدى الطويل، وهو ما لا يحدث بالطبع.

ولأن الأمية الثقافية في أفضل حالات ازدهارها، يستمر الانتحال وتستمر السرقات، دون أن يقدر أحد على وقف أصحابها أو الإشارة إليهم بسوء، وربما كان الناس في الماضي أكثر اهتماما، فلم تكن الدنيا قد ازدحمت كما هي اليوم بالعاطل مع الباطل، وبالأصيل جنبا إلى جنب مع المنتحل.

وتحضرني في هذا السياق واقعة طريفة وقعت للمطرب محمد عبدالوهاب في مطلع حياته الفنية، قبل أن يحقق ما حققه من شهرة في عالم الطرب، هذه الواقعة رواها الناقد الموسيقي الراحل كمال النجمي في كتابه البديع عن عبدالوهاب، فقد أراد عبدالرازق حجازي أن يرث عرش الغناء في مطلع العشرينات عن أبيه المطرب ذائع الصيت، الشيخ سلامة حجازي، الذي كان قد توفي مؤخرا.

ولم يكن عبدالرازق يملك صوتا يمكنه الصمود أمام الجمهور، وكانت تجتمع حوله حاشية من المنتفعين والمنافقين، الذين حاولوا أن يجعلوا منه مطربا لكي يستمروا في الاسترزاق من ورائه، فقد عرف بالكرم الشديد، ولكنهم لم ينجحوا.

وذات يوم قال عبدالرازق لحاشيته “ماذا لو جلست كل ليلة على الكرسي فوق خشبة المسرح أمام الجوقة الموسيقية، وجلس ورائي مطرب ذو صوت قوي جميل يغني وأنا أفتح فمي وأغلقه كأنني أنا الذي أغني”، فتساءل أحدهم “وهل تمر الحيلة دون أن يفطن لها الجمهور؟”، فصاح باقي أعضاء الحاشية “تمر بإذن الله!”.

وبعد مداولات واستشارات استقر الأمر على مفاتحة حامد مرسي الذي كان نجما كبيرا من نجوم الغناء في ذلك العصر، وكان يمر بأزمة مالية كبيرة وقتها، لكن الرجل طرد من ذهبوا للتفاوض معه، قائلا “هل تظنون أن الجمهور لن يعرف صوتي أيها البلهاء، وكل نبرة في صوتي معروفة للجماهير”.

عادوا إلى حجازي وأعادوا معه التفكير، ثم اقترح أحدهم محمد عبدالوهاب للقيام بالدور، ووافق ابن عبدالرازق على مضض، كذلك وافق عبدالوهاب، الذي لم يكن يجد عملا بعد وفاة سيد درويش الذي كان يستعين به في مسرحه، على أن يبيع صوته للمطرب الفاشل، في صفقة شبيهة بصفقة فاوست مع الشيطان!

داوم عبدالوهاب بضعة ليال، يغني هو، ويفتح عبدالرازق فمه ويغلقه في التوقيت المناسب، إلى أن فطن البعض إلى الخدعة وصعدوا إلى خشبة المسرح محاولين الفتك بعبدالرازق وقاموا بضربه ضربا مبرحا، لم ينقذه من بين أيديهم إلاّ رجال حاشيته وعمال المسرح، أما عبدالوهاب فقد لاذ بالفرار، وكانت فضيحة يتذكرها رجال ذلك الزمان من عشاق الغناء. المشكلة أن أمثال عبدالرازق حجازي كثيرون في زماننا هذا، ولكن لا أحد يمكنه التصدي لهم!

ناقد سينمائي مصري مقيم في لندن

أمير العمري

:: مقالات أخرى لـ أمير العمري

أمير العمري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر