الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

مقولات عابرة للأجيال بعضها قنابل عنصرية

الهوس باقتطاع مساحات عامة وتخصيصها كمساجد، في حين يتعرض المسيحي لأذى جسدي ولفظي لو دعا غيره إلى إقامة صلاة في بيته، ينطوي على نزوع للاستعلاء بالدين واحتكار لله.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/08/16، العدد: 10367، ص(9)]

لسنوات طوال قادمة علمها عند ربي، سيظل الماضي ساحة لمعارك العرب والمسلمين، في مناوشات الطوائف محليا، أو حين يتحدون معا في صراع مع “الغريب”.

لا هذه المعارك ولا تلك مقدسة بالمعنى الحضاري الإنساني، وإنما هي بديل العاجز عن مواجهة أسئلة الحاضر، قناع لامتلاك ماض اكتمل كتجربة، أما المستقبل فلا يخوض معاركه إلا أولو العلم، أولئك الذين وهبهم الله فضيلة القلق، ومنحهم فائضا من الخيال يؤهلهم ليصيروا رسلا لإنقاذ البشرية من أوبئة، وهداهم إلى مخترعات تجعل الحياة أكثر يسرا. وما يفرق بين العالمين.. المتورط في وحل الماضي والمهموم برسالة المستقبل، هو الوعي الذي يبدأ بالتعليم.

في التقاط المأثورات تعويض نفسي لمحبطين، وتغذية غير آمنة بأسلحة دفاعية في مراحل الأزمات، ربما يؤدي تمثل هذه المقولات أو الفلسفات إلى صدام اجتماعي مزمن، كما هو الحال في مصر، أو إلى بروز نزعة عنصرية تغذي طموحا للتحكم في مصير العالم كما فعل أدولف هتلر المتأثر بفلسفة فريديريك نيتشه. ومن سوء الحظ أن اليمين الصاعد في دول أوروبية يقرن القرآن بكتاب هتلر “كفاحي”، وهو ما ذهب إليه، ذات يوم، البرلماني الهولندي المتعصب خيرت فيلدرز.

تكفّلَ حديث ليس متفقا عليه بنشر الآلاف من المساجد صغيرة “الزوايا” أسفل البنايات لكي يتهرب ملاكها من دفع الضرائب، وبين الممرات بالشوارع في كل المدن المصرية، وفي كل طابق بمؤسسات حكومية لا تقضى فيها حاجات الناس إلا بالرشاوى، وفي مواقع عبور المواطنين ومنها محطات السكك الحديدية والمترو حيث لا يوجد مقيمون. في كل “زاوية” تتمدد في الفضاء العمومي المخصص للمواطنين يثبّت مكبر للصوت يستهدف المارة المشغولين بأرزاقهم. هذا الحديث المكون من ثلاث عشرة كلمة هو “من بنى لله مسجدا قدر مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة”.

ويحلو لمحبطين يجدون في القبض على الميكروفون سلطة أو شهوة أن يرفعوا أصواتهم عقب الصلوات بإلقاء دروس منتزعة من كتب الفقه القديمة، ولا يعدم المارة في الشوارع التقاط كلمات لا يعرفون دلالتها، عن آداب “الاستنجاء” مثلا، والتطهر من “الغائط” في الخلاء باستخدام حجر أملس، إذ يكره الحجر الخشن، وينصح بالاحتفاظ بالبعض من هذه الحجارة الملساء.

كما أدى سوء فقه لحديث آخر، غير متفق عليه أيضا، إلى ظاهرة تتسم بشيء من القبح، ويسهل في القرى والمدن المصرية، حتى في جامعة القاهرة نفسها أن ترى من ترتدي ثوبا أسود فضفاضا ينسدل من منتصف الرأس إلى ما بعد القدم. إذ كنت تؤمنين بالاختلاف وحق كل إنسان في ارتداء ما يشاء، فعليك أن تحترمي اختيارات الآخرين، ولكنك ستسألين عن جدوى شبر من الثياب تحظى به الأرض وحدها، لا يغطي شيئا ولا وظيفة له إلا مصافحة التراب والمياه فيبتل ويتسخ وتتلف أطرافه. ولا تسول لك نفسك سؤال صاحبته؛ لأن الرد سيكون خشنا يتهمك بالجهل بشيء اسمه “السنة”، وربما يرتبط الرد ببشاشة استعلائية تشهر في وجهك واقعة شكوى صحابيات أن جلبابهن يتسخ، فقال لهن النبي صلى الله عليه وسلم “يطهره ما بعده”، ولا تسألي: وماذا لو كان “الما بعد” غير نظيف؟

كنت أظن أن حديث “يطهره ما بعده” لا يتجاوز كتب الفقه القديمة، حيث يروي البخاري “أن الكلاب كانت تقبل وتدبر وتبول في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم”، ثم وجدت فتاوى عصرية تنشغل بهذه القضية، في موقع «إسلام ويب” الذي يبث بخمس لغات، أما الفتوى رقم 145695 في موقع “الإسلام سؤال وجواب” الذي يبث بست عشرة لغة من الإنكليزية إلى اليابانية والصينية، فتحمل عنوان “طهارة عباءة المرأة إذا مرت بها على نجاسة”، وتبدأ الفتوى بالقول: “هذه المسألة من مسائل الخلاف المشتهرة بين العلماء، فجمهور العلماء على أن النجاسة إن وجدت في ثوب أو في نعل فإنه لا يطهرها إلا إزالتها بالماء، وذهب الحنفية إلى أن أي مزيل يزيل تلك النجاسة فإنه يجزئ في ذلك، ووافقهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وجمع من المحققين من علمائنا المعاصرين، وهو الصواب.. وقد

أذن، ابن تيمية، في إزالتها بغير الماء في مواضع منها: الاستجمار بالحجارة”، والله أعلم.

هذه الظاهرة لا تخص جيل الأمهات، إذ يؤمنّ بأن النظافة من الإيمان، وأن التمسك بآداب الدين لا يتناقض مع رقيّ السلوك، ولا يعني التنطع بتطبيق مرويات بغير داع، وفي غير سياقها الجغرافي، ولن تضطر امرأة عصرية سوية لتنظيف ذيل ثوبها بالاستجمار بالحجارة.

في إهمال الثوب وتركه “يطهره ما بعده” حرية شخصية، أما الهوس باقتطاع مساحات عامة وتخصيصها كمساجد، في حين يتعرض المسيحي لأذى جسدي ولفظي لو دعا غيره إلى إقامة صلاة في بيته، فينطوي على نزوع للاستعلاء بالدين واحتكار لله، وكلا المثالين دليل تنازل عن الوعي بفقه دين يحث المسلمين على أن “يتفكروا في أنفسهم”.

ويسهل أن يشمل الاستلاب الطوعي مسائل وتفاصيل أخرى تمس حريات للمختلفين، وتصادر حياتهم تنفيذا لتعليمات حسن البنا وبشارات سيد قطب العابرة للغات والأجيال.

لا تقتصر العدوى القاتلة على السلفية الدينية، إذ مرت البشرية بتجربة دامية لا أعادها الله الذي يعلم ما كان يمكن أن يترتب على انتصارها من نتائج كارثية. ففي مقال عنوانه “خطر تعاليم نيتشه على الهيئة الاجتماعية” بمجلة “الهلال” (ديسمبر 1916)، تنبأ الكاتب اللبناني نقولا الحداد بالخطر النازي.

لم ينصت أحد إلى تحذيره من “مبادئ نيتشه” التي تحث على إفناء الضعيف وإبادته، لترك المجال للسوبرمان، الإنسان الأعلى. “وبالطبع لا يكون في هذه الرتبة إلا الشعب الألماني”، في رده عن الإيمان بالتنوع البشري وقيم التعايش.

بقي أن أسجل تفرقة عبدالوهاب المسيري، في موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (ج 2)، بين فلسفة نيتشه التي عبر عنها في مؤلفاته، والفكر النيتشوي وهو “منظومة شبه متكاملة، استبطنها الإنسان الغربي في أعمال نيتشه وحققت من الذيوع والانتشار ما يفوق أعمال نيتشه الفلسفية… فهناك الكثير من النيتشويين ممن لم يقرأوا صفحة واحدة من أعمال نيتشه، بل الذين اتخذوا مواقفهم النيتشوية قبل أن يخط نيتشه حرفا واحدا”، إذ كان الخطاب الإمبريالي منذ الثورة الصناعية ذا طابع نيتشوي. لا يختلف الواثقون بالانتماء إلى شعب مختار وجنس أرقى ودين أفضل إلا في الدرجة.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر