الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

داعش.. الانسحاب نحو الداخل

المعجمية السياسية والإعلامية والفكرية العربية استلهمت منطق أنّ الذي يسيطر على العاصمة والأماكن الإستراتيجية الأخرى هو الجانب الشرعي، بغض النظر عن إرادة الشعب واحترام التقاليد.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/08/16، العدد: 10367، ص(9)]

قد تكون حرب سرت من الحروب القليلة والنادرة في العالم التي تتقهقر فيها قوات لصالح قوات أخرى معادية، دون أن تترك وراءها ضحايا بشرية وخسائر ماديّة. وقد تكون العبارة الأكثر استيفاء واستيعابا للمشهد العسكري في ليبيا اليوم أنّنا حيال انسحاب مدروس وبطيء من داعش، ومؤمّن من طرف قوات المجلس الرئاسيّ التابع لفايز السرّاج.

تريد قوات السراج من دخول سرت سحب الشرعية السياسية للمجلس العسكري إلى المنطقة الشرقية بقوّة التمدد الناري، استعدادا للسيطرة على أماكن أخرى في الشرق، مبرقة بذلك رسالة إلى المجتمع الدولي بعملها على توسيع شرعيتها على التراب الليبي وأخرى إلى بنغازي قوامها أنّها باتت مستولية على جغرافيا عسكرية أوسع من تلك الموجودة تحت سلطة خليفة حفتر.

وباعتبار أنّ الشرعية في المنطقة العربية صارت اليوم تُستقى من فوهات البنادق وجلجلة الرصاص وصليل القاذفات والدبابات وأزيز المقاتلات، لا من إرادة الشعوب وأصوات صناديق الاقتراع، فإنّ منطق الاستيلاء والسيطرة العسكرية يصبح هو الحاكم للمشهد السياسي والعسكري والإعلامي.

المفارقة أن المعجمية السياسية والإعلامية والفكرية العربية استلهمت منطق أنّ الذي يسيطر على العاصمة والأماكن الإستراتيجية الأخرى هو الجانب الشرعي، بغض النظر عن إرادة الشعب واحترام التقاليد والأسس الديمقراطية والالتزام بالأعراف السياسية، في حين أنّ الأصل كامن في أنّ الشرعية تبنى على مبادئ الديمقراطية والاختيار الشعبي بغضّ النظر عن مدى السيطرة النارية للجغرافيا المشتعلة.

بمعنى أنّ الشرعية في ليبيا تؤصل وفق مقولة الانتخابات البرلمانية لعام 2014 لا وفق السيطرة العسكرية لقوات السراج والمؤتمر الوطني، حتّى وإن كانا يسيطران على العاصمة طرابلس، كما أنّ الشرعية في اليمن تُبنى وفق التوافق الشعبي على وثيقة الانتقال الديمقراطي بغض النظر عن القوة المسيطرة على صنعاء.

من حقّ قوات فايز السراج أن تحتفي بانسحاب داعش من غالبية سرت، فليس من السهل عسكريا أن يترك داعش والميليشيات الأخرى أماكن بعد السيطرة عليها، ولكن من الواجب الإشارة في هذا السياق إلى أنّ عودة داعش إلى كينونته الأولى بما هو جماعة زئبقية وغير تنظيمية ومنتشرة في الجغرافيا ستزيد من تعسير مهمّة الأطراف المقاتلة لداعش. فلئن كان من الصعب على “الجيوش” مقاتلة ميليشيات متمركزة في فضاء معين، فإنه من الصعوبة بمكان مكاسرة عصابات لا تجمع بينها جغرافيا موحّدة.

من الواضح أنّ خروج داعش من سرت الساحلية كان بقرار غربي، حيث أنّ باريس وروما اعترفتا بإرسال قوات خاصة لقتال تنظيم داعش الإرهابي، إذ أنّ الفاتورة الأمنية والعسكرية التي تدفعها أوروبا يوميا من تمركز داعش في ضفاف المتوسط غالية ومشطة، أمنيا وعسكريا وإنسانيا.

وبنفس المقاربة الأوروبية البراغماتية حيال الإرهاب حيث من المقبول أن يضرب ويفجر ويفخخ دون أن يقترب من أسوار النادي الأوروبي، فيبدو أنّ القوات الكبرى في الاتحاد الأوروبي باتت قابلة بانسحاب داعشي من المتوسط نحو الداخل الليبي.

دخلت أوروبا مرحلة إدارة الصراع مع داعش لأنها لم تنخرط يوما في سياق القضاء على التنظيم، وكما اختارت في وقت سابق الرقص مع ذئاب الإرهاب تنفيذا لأجنداتها للسيطرة على النفط وممرات الغاز واستنبات الكيانات الهجينة في الفضاء العربي، ها هي اليوم تقدّم لداعش نصف تطبيع ونصف اعتراف أيضا.

ويبدو أنّ تصريح الوسيط الدولي في ليبيا مارتن كوبلر بأنّ الانتصار على داعش غير ممكن اعتمادا على المقاتلات العسكرية فحسب، وضع إصبعه على الداء، ذلك أنّ الغرب لا يريد الانتصار على داعش ولا يريد القضاء على الجماعات التكفيرية الأخرى.الانسحاب من الساحل نحو الداخل سيكون باهظا على المناطق الحدودية التي سيتوجه إليها التنظيم، أي النيجر والجزائر وتونس.

سيسعى التنظيم إلى الاقتراب أكثر ما يمكن من قاعدة “الأفريكوم” في السنغال عبر النيجر ومالي، وسيرمي إلى إثارة البلبلة في الجزائر استنادا إلى بعض الطوارق في الجنوب، ولن يهدأ قبل تكرار سيناريو بنقردان 2 في تونس اعتمادا على بارونات التهريب والفساد الإداري الناخر للاقتصاد والتهميش والتفقير الضارب لمقومات البلاد ولقوت خبز العباد.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر