الخميس 21 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10758

الخميس 21 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10758

زمن الفائض الإعلامي والرسائل السائبة

أخلاقيات جديدة أنتجها هذا الواقع المستجد من خلال أناس مجهولين يطوفون القارات وبإمكان أي منهم أن يخاطبك عارضا أو طالبا الصداقة أو المشاريع التجارية أو لغرض استدراجك قصد سرقة بياناتك الشخصية أو البنكية.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/08/16، العدد: 10367، ص(18)]

ابتداء من سبعينات القرن الماضي كانت تعقد العديد من الندوات والمؤتمرات وموضوعها الحق في الاتصال، وكان أيقونة تلك الحقبة عالم الاتصالات الكندي الأشهر مارشال مكلوهان (1918-1980) صاحب نظرية الوسائل هي الرسائل والعالم قرية اتصالية.

كانت إشكالية الحق في الوصول إلى المعلومات هي الإشكالية الأبرز وكانت أشبه بالخيال بسبب تسيد وسائل الاتصال الحكومية ذات الاتجاه الواحد بين القطبين العالميين (الشيوعي في مقابل الرأسمالي) والتي تحتكر المعلومات وتصبها صبّا على رؤوس جمهورها الخاص أو ترسلها قطرة قطرة إلى المجتمعات الواسعة. كانت المعلومات حكرا على الدول والحكومات وكأن ملايين البشر ليسوا إلا هامشا ومجتمع تلق واستهلاك غير منتج للرسائل الإعلامية وغير مطالب بتفكيك شيفراتها وتحليلها وقبولها أو رفضها.

كان هنالك جدل آخر مواز يتعلق بإمكانية تحوّل وسائل الاتصال من منطقة التواصل إلى التداول، وتخرج الوسيلة الاتصالية من منطقة عملها السائدة إلى كونها أداة تداولية رهن الجميع.

ما بين الحقبتين الزمنيتين هنالك رحلة طويلة في الإنجاز بما شهدته من طفرة تكنولوجية حوّلت الوسيلة الاتصالية إلى أداة في يد الفرد الذي دخل في دائرة مغلقة تخصه وحده.

الإشكالية هنا تتعلق بهذا الانفجار الإعلامي والتدفق غير المحدود للمعلومات الذي خرج عن حدود التشبع بالرسائل إلى ذلك التشويش الإعلامي الذي صار يصيب الفرد وهو يتلقى كل ذلك التدفق غير المحدود للرسائل. هي إشكالية صارت تتعمق في كل يوم وتزداد تعقيدا، الفرد الإشكالي غادر الصورة التي رسمتها له مؤتمرات السبعينات والثمانينات إلى فرد شديد التعقيد بسبب المتاهة التي وجد نفسه في وسطها حيث تحوّل الإعلام بسببها إلى سوق فوضوي في كثير من الأحيان، سوق مغمور بفائض غير محدود من الرسائل ليس من اليسير فرز الغث من الثمين في تداخل هائل ومن شبه المستحيل السيطرة عليه.

من ذلك الفائض المشوّش ما تمثله أقسام "سبام" و"جانك" التي تجدها مرافقة للبريد الإلكتروني ووسائل التواصل الإجتماعي، تقليد اتصالي جديد وغير مألوف وعلى المتلقي فرز هذا من ذاك من الرسائل السائبة التي تحط رحالها في بريدك الإلكتروني أو صفحتك، أخلاقيات جديدة أنتجها هذا الواقع المستجد من خلال أناس مجهولين يطوفون القارات وبإمكان أي منهم أن يخاطبك عارضا أو طالبا الصداقة أو المشاريع التجارية أو لغرض استدراجك قصد سرقة بياناتك الشخصية أو البنكية أو غيرها، وما تراك فاعل أمام مشهد يستنفد الوقت والجهد في عالم اتصالي جديد؟

كأنها تأثيرات جانبية صارت تفرزها الرسائل بالرغم من أن الفرد نفسه صار منتجا للرسائل، بإمكانه أن يمتلك منبرا إعلاميا مجانيا في شكل “بلوغ” أو صفحة في وسائل التواصل الاجتماعي يقوم بتحريرها بنفسه وتوجيهها إلى الآلاف المتلقين.

يمكن القول إنه زمن آخر مختلف لم تتطرق إليه أطروحات مارشيل مكلوهان ولا الندوات والمؤتمرات التي أقيمت لدراسة نظرياته وكتبه، عالم تشكّل فجأة، حقق نبوءات ذلك العالم واستشرافه للمستقبل لكن باتساع مهول وغير مسبوق ومازال العصف الإعلامي ـ الاتصالي المقبل أشد وأمضى.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر