الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

صباح العرب

أغاني فيروز خافتة ووديعة وتبعث على النعاس والنوم في الصباح. المفروض أن تكون آخر ما يود الناس سماعه بعد الاستيقاظ مباشرة، لكنها أول ما نسمعه.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/08/16، العدد: 10367، ص(24)]

مثل الاسم الثابت لهذه الزاوية، للعرب فعلا صباح خاص بهم دون شعوب الأرض. صباح العرب يستحق الوصف والتوقف عنده. الصباح عندنا وقت من اليوم له مزاج متشائم ومتطير. يجب ألا يقع شيء مزعج ولو من بعيد وقت الصباح. نتحمل الأخبار المفجعة والفأل السيء في كل أوقات اليوم إلا في الصباح.

لو رأيت رجلا بعين واحدة في الظهيرة لا بأس ولا ضرر فالإنسان يرى بشرا ذوي عين واحدة، وليس هناك ما يمنع وجودهم فمن أبسط حقوق الإنسان أن يكون بعين واحدة، وأن يراه الناس. ولكن لو رأيته في الصباح ستقول “اليوم صبّحت على أعور” وتتشاءم وتتوقع المصائب وسوء المصير.

تقع أشياء غير طيبة فتقول “يا ترى على ماذا صبّحت اليوم؟” وستبحث عن ذكرى في رأسك وستجدها، أي شيء حتى قطة عبرت الشارع أو جار سعل سعلة غير مريحة أو أي شيء آخر.

أول مجيئي إلى أوروبا انتبهت إلى أنهم يتحدثون في الراديو وفي السابعة صباحا عن السرطان ومسبباته وعلاجه. لا يمكن لإذاعة عربية أن تفعل هذا. الصباح وقت التشاؤم لذلك لا نذيع سوى أغاني فيروز أو أغان محلية تمتلئ كلماتها بالعصافير والزهور ولا بأس من إضافة نحلة ترتشف رحيق الأزهار وعندليب يصدح بالغناء.

أغاني فيروز خافتة ووديعة وتبعث على النعاس والنوم في الصباح. المفروض أن تكون آخر ما يود الناس سماعه بعد الاستيقاظ مباشرة، لكنها أول ما نسمعه. تغني فيروز بكسل يبعث على التثاؤب “كيف حالك يا جار لو تعرف شو صار”. تسمعها فتعود إلى السرير ولو جلوسا عند حافته وترجئ ارتداء القميص.

الراديو محور الاهتمام في الصباح. وعندما صار التلفزيون يقدم برامج الصبح أصر الناس على سماع صوته فقط فجعلوه راديو. مشكلة التلفزيون أنه يتعارض مبدئيا مع الصباح. التلفزيون يتطلب من متابعه أن يكون ثابتا، والصباح حركة دؤوبة بين تغيير الملابس والإفطار وبعض من كوي الملابس، إن لم يكن هناك دوش وصابون وشامبو وأشياء أخرى. المهم أن الإنسان غير مستقر وليس مسمّرا في مكانه، لذلك يبطل مفعول التلفزيون، أي يصير راديو سيئا.

بالمناسبة، سخف التلفزيون ينكشف حين سماعه بدون صورة. الأخبار صياغتها ركيكة ومعوجة. كل شيء في التلفزيون معتمد على الصورة، يشاغلك بها.

والغريب أن الصباح ما فيه موضوع حديث لائق. كل موضوع يستحق الكلام في بقية أوقات اليوم يصير مزعجا وغير لائق في الصباح. تقول لا بد أن نبدأ البحث عن سيارة جديدة فيقولون لك “هذا وقت سيارة؟ من الصبح”. تقول حذائي صار قديما يقال “أي حذاء من الصباح؟” حتى لو قلت نشتري رمانا سيعترضون ويزجرونك قائلين “أين نحن وأين الرمان من الصبح”.

لهذا يصير صباح العرب صامتا لا يسمح بتداول رأي. نسكت ونتناول الإفطار بصمت لأن لا شيء يليق بالصباح. وعيوننا ذبلانة من جراء أغاني فيروز. برغم كل ما تقدم نقول صباح الخير.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر