السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

المكتبة

أضحت الموضوعات والمقالات والأقلام، المقترحة من قبل “العربي”، معينا أساسيا في تكويني المعرفي، وشكلت على نحو غير يسير نوازعي الفكرية والثقافية.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/08/17، العدد: 10368، ص(15)]

هل يمكن أن تنهض مجلة واحدة بكل أدوار المكتبة؟ يبدو الأمر مستحيلا، في السياق العادي، لكن باستحضار بعض التجارب التاريخية يتبين أن مجلات معينة، اقترنت في الذاكرة العربية الحديثة بوظائف المكتبة، في مقدمة هذه المجلات تبرز “العربي” الكويتية، التي اقترنت في ذاكرتي بخزانة غامضة في غرفة السطح ببيت جدتـي، ممتلئة بالكامل بأعداد المجلة على عهد الراحلين أحمد زكي وأحمد بهاء الدين.

كانت أعدادا حافلة بالتحقيقات المصورة عن مدن تاريخية وأخرى حديثة، وجبال، ومفازات، وروابي خضراء ومرتفعات صخرية، وشواطئ وأنهار وبوادي وصور رجال ونساء آسيويين وأفارقة ولاتينيين قادمة من قعر الزمن، بأزياء وألوان تفتن البصر والخيال.

اقتنى تلك الأعداد خال لي كان يشتغل بالتعليم، وكانت زاده المعرفي الوحيد، وزاد كل من درس في البيت، حيث اختزلت المعرفة في مجلة واحدة كفت الجميع مغبة البحث عن موارد أخرى للتثقيف، ولبت نهمهم المعرفي في غضاضة الصبا.

وبالتدريج أضحت الموضوعات والمقالات والأقلام، المقترحة من قبل “العربي”، معينا أساسيا في تكويني المعرفي، وشكلت على نحو غير يسير نوازعي الفكرية والثقافية؛ فبين صفحاتها تعرفت على العديد من الأسماء التي طبعت المشهد الإبداعي والنقدي والسياسي العربي، من نازك الملائكة إلى خالد محمد خالد ومن زكي نجيب محمود إلى جمال عبدالناصر، ومن عائشة عبدالرحمن إلى جلال أحمد أمين، ومن عبدالوهاب البياتي إلى محمود أمين العالم… وعبر محاورها الثابتة التي تراوح بين الآداب، والعلوم والفنون، والتراث والشخصيات والمواجهات، والاستطلاعات، والطرائف وسجلات اللغة والدين.كنت أكون اللبنات الأولى في وعيي الأدبي والفكري ومتخيلي الثقافي العام.

لذلك أعتقد أني مدين، مع الكثيرين من جيلي، في ما نمتلكه اليوم من نزوع عروبي إلى تلك الصيغة التي كانت تقدم لنا بها مجلة العربي هذا الوطن من المحيط إلى الخليج، وأذكر في هذا السياق حدثا بدا لي وقتها منطويا على قدر كبير من الغموض، فكما هو معروف دأبت العربي لسنوت طويلة على تقديم هدية للقراء، وغالبا ما كانت الهدية الأكثر إثارة للاهتمام تلك التي تتضمن خارطة للوطن العربي.

وفي سنة 1976، أذكر أن أحد أعداد المجلة صادرتها السلطات المغربية بعد أن وزعت في الأكشاك، وذلك بعد أن اكتشفت الأجهزة الأمنية متأخرة أن الخارطة الهدية، احتفظت برسم حدود المغرب في صيغتها القديمة.

أذكر هذه الواقعة لما لها من دلالة في بيان درجة التأثير الذي امتلكته مجلة العربي، من خلال توجهها إلى نوعيات متباينة من القراء: مثقفين وجامعيين، وقراء عاديين. حيث تساكن المضمون المعرفي الرفيع، مع الاختيار الثقافي التنويري، مع الحس القومي العالي، في زمن غلبت عليه الأصوات والمنابر الثقافية ذات الاصطفافات الضيقة، والتوجهات المغلقة.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر