السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

فريدا كاهلو: 'أملك أجنحة'

في الثانية والعشرين التقت فريدا بالرسام المكسيكي دييغو ريفيرا الذي كان يكبرها بعشرين عاما.. وعاشا قصة حب مجنونة تكللت بالزواج.. وشيّدا معا 'البيت الأزرق' الذي صار بعد وفاتها متحفا.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/08/17، العدد: 10368، ص(21)]

ليس الألم الجسدي والنفسي.. ولا الحب والخيانة.. ولا الإخفاق السياسي والعاطفي.. بل الإصرار على الحياة هو الذي جعل من فريدا كاهلو أيقونة للتحدي قطباها المعاناة والفن..

بهذه الجمل القصيرة نستطيع اختصار تجربة حياة الرسامة المكسيكية المبدعة ذائعة الصيت فريدا كاهلو (1907 – 1954).. التي خبرت المعاناة منذ طفولتها بعد أن أصيبت بشلل الأطفال وهي في السادسة من غضاضة عمرها.. وبعد أن هشم عمودها الفقري حادث سير مروّع وهي بعدُ في ربيعها الثامن عشر، جعلها تلازم الفراش ما زاد على عام كامل.. ومثل أي إنسانة من ذوي الاحتياجات الخاصة كانت فريدا ستغادر عالمنا دون أن يعلم بها أحد سوى المقربين ودون أثر يذكر..

بيد أن قصة حياتها تحدثنا عن تلك الأيام العصيبة من الألم والمعاناة التي لازمت فيها الفراش فقررت بحزم أن تمسك بالفرشاة وتعبّر عن واقعها المرير باللون والرمز.. وراحت تطيل النظر إلى مرآتها المعلقة في السقف عاليا وتعيد تشكيل تقاطيع وجهها وجسدها مرارا وتكرارا.. حتى ليصبح ذلك الوجه العاقد الحاجبين الذي تقاسمت ملامحه الأنوثة والذكورة صرخة تحدّ للعالم.. بعد أن استطاعت أن تعكس صورتها وتحدث مرآتها قائلة بأن الألم عنوان حياة.. هكذا اكتشفت فريدا ولعها بالرسم.. فكانت لوحاتها في كل مرة تظهر أشياء جديدة في شخصيتها المتعددة الثرية الثائرة التي لا تعرف الثبات.. تماما مثل ألوانها..

عاشت فريدا كاهلو حياتها كمن ينتقم من الموت.. كانت تزين جسدها النحيف بالورود والقلائد والأساور كأنها غجرية.. وكتبت في يومياتها التي نشرت بعد وفاتها “ما حاجتي إلى قدميّ مادمتُ أملك أجنحة لأطير؟”.. وكتبت تطالبنا بأن نغمض أعيننا ونفتحها على الفور لنرى العالم بنسغ جديد.. فرؤية الجمال تجربة لا يمكن أن تكون متاحة للجميع.. إنما هي مغامرة لن تجيد خوضها إلا فئة من الناس تملك بصيرة من طراز خاص.. وقد استطاعت فريدا أن ترى في جسدها المعذب جمالا استثنائيا جسدته في لوحاتها وفي يومياتها بقلمها وبريشتها معا..

في الثانية والعشرين التقت فريدا بالرسام المكسيكي دييغو ريفيرا الذي كان يكبرها بعشرين عاما.. وعاشا قصة حب مجنونة تكللت بالزواج.. وشيّدا معا “البيت الأزرق” الذي صار بعد وفاتها متحفا في مدينة كويوكان بالمكسيك (مسقط رأسها).. بيد أن خنجر الخيانة طعن قلب فريدا بعد سنوات، فافترقت عن حبيبها.. لتعود إليه بعد عام واحد وتداوي خيبتها بقبول اعتذاره واستعادة حياتها معه.. وقد كان دييغو حبيبها وزوجها الخائن موضوعا غطّى الكثير من صفحات يومياتها إذ تقول فيها “دييغو يا مرآة الليل/ من عينيك سيوف خضراء تخترق جسدي/ كلك موجود في كل هذا المكان/ ممتلئ بالأصوات في الظل والضوء..”.

وليس غريبا أن تصبح حياة فريدا كاهلو القصيرة بعد ما قارب نصف قرن من رحيلها، موضوعا لفيلم أخرجته جوليا تيمور وقامت ببطولته الممثلة المكسيكية من أصل لبناني سلمى حايك بجدارة، استحقت عليها جائزة الأوسكار كأفضل ممثلة.. وكان الفيلم الذي اعتمد اليوميات مادة أساسية في تفاصيله قد جسد فكرة تحويل المأساة إلى فن وجمال.. وكأن لسان حال القصة يستعير عبارة فريدا البسيطة والعميقة في آن “لم أرسم أحلاما.. لكنني كنت فقط أحوّل واقعي المأساوي إلى فن..”.

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر