الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

قادمون يا بغداد

ليس من الإنصاف تجريم السنة الذين رفعوا شعار 'قادمون يا بغداد' للمطالبة بحقوقهم سلميا. بغداد عاصمة لكل العراقيين، وتبقى مستقبل العراق ورمز وحدته الوطنية ومدينة السلام.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/08/17، العدد: 10368، ص(9)]

السؤال العميق اليوم في الثقافة العراقية ليس كيف تورطنا؟ ولا مَن هو المسؤول؟ بما أن الورطة سياسية وبهذا الحجم، فإن السؤال الإنساني الوحيد هو كيف نخرج من هذه الورطة؟ فكلنا متورطون. يموت المرء أحيانا لعشق فتاة فما بالك بمحبة شعبك ووطنك؟ إنه لمورد من موارد الهلاك أن ترى أطفال بلادك في المخيمات نازحين. لقد شعرنا بأننا جميعا عبرنا الفرات خائفين، وجرفنا التيار مع الغرقى خارج الفلوجة.

الحكومة العراقية تحاول تشويه الاعتصامات السنية التي استمرت أكثر من عامين في البلاد وشارك فيها 4 ملايين مواطن منذ العام 2012 وحتى ظهور داعش. الاعتصامات كانت سلمية كما شهد الجميع، رغم خروقات واضحة من قبل السلطة كما رأينا في الفلوجة ومجزرة الحويجة. وكانت الشعارات تختلف من جمعة إلى أخرى، وهي في معظمها شعارات وطنية. الغالب هو الاحتجاج على سياسة نوري المالكي الطائفية حينها. والاعتصامات كانت منظمة وسلمية، وشعار “قادمون يا بغداد” هو الدعوة إلى التظاهر في العاصمة والقيام بشيء مشابه تماما لما قام به التيار الصدري مؤخرا حين اقتحم الساحة الخضراء.

الخوف من هذا الشعار حين يرفعه السنة، والتعايش معه حين يرفعه التيار الصدري؛ هو فضيحة الحكومة العراقية في بنيتها الطائفية. فالشيخ علي الحاتم (أمير الدليم) تحدث عن مسيرة مليونية سلمية نحو العاصمة بغداد، وقال “نمشي على الأقدام يدا بيد، ولتطلق علينا القوات الأمنية الرصاص” لماذا أثارت الرعب؟ فأسوار بغداد ستكون عصية على السنة كما صرح حينها الوزير باقر الزبيدي. وفي ما بعد فرضت الحكومة نظام الكفيل على السنة لدخول عاصمتهم. أحد أهم الأسباب في ظهور داعش هو احتقار اعتصامات المحافظات الست ومطالبها.

سيدة من بغداد يتم اختطاف زوجها وقتله، ولاسترجاع جثة حبيبها تنام مرغمة مع قاتليه. هذا النوع من المظالم والانتهاكات هو الذي جعل من الإرهاب ممكنا، وورّط المنطقة والعالم بالتطرف.

لم يتعاطف الجانب السياسي الشيعي، وبالغ بالالتفاف حول دكتاتور طائفي مثل نوري المالكي بل أطلق عليه لقب “مختار العصر”، مما رجح كفة المتطرفين ضد المعتدلين والمطالبين بالحقوق وانتهى المشهد باقتحام الدبابات لساحات الاعتصام السلمية ثم انفجر داعش وهيمن على الأرض.

حدث ما حدث في وقته وظروفه وعواطفه ومعاناته، والمهم اليوم المصالحة الوطنية. ضرورة استيعاب شباب الأنبار والموصل وزجهم بالمشاريع المستقبلية للعراق. إن الصدر الشيعي الذي يستوعب أبودرع السفّاح ويحمله على الأكتاف، يجب أن يعفو عن الشباب المغرر بهم في داعش، ويستوعبهم في معاهد تأهيل ومناصحة وإرشاد وتوظيفهم من جديد. لا يجب العودة إلى المالكي وأبودرع والمذابح الأهلية، ولا ينبغي تجريد السنة من كل حق وشرف.

في الحرب الأهلية اللبنانية الجميع تورطوا. الشاعر العظيم سعيد عقل شارك فيها، ولكن بعد المصالحة استوعب لبنان الجميع، فلا يمكن للشيعة التصرف كحاكم مطلق بحيث يغفرون أخطاء المالكي وأبودرع والصدر والعامري… إلخ، بينما لا يقبلون من السنة سوى الوكلاء، هذا غير ممكن ويبشر بحرب أهلية قادمة. لا بد من التسامح والبدء بصفحة جديدة.

رئيس الوزراء حيدر العبادي قال مؤخرا إن أرض العراق تتسع للجميع وخيراته كثيرة تكفي الجميع. أعتقد أن هذه مقولة عظيمة نستطيع أن نؤسس عليها. أمام القيادة الشيعية مهمة شاقة وهي مقاومة نشوة الانتصار والشعور المفرط بالقوة. لا مفر من التمسك بمبدأ المشاركة في الثروة والسلطة فالوطن للجميع، حتى لا تتكرر مأساة داعش، أو ما هو أسوأ في المستقبل.

محام عراقي من الأنبار يقول “الحراك الشعبي في 6 محافظات قدم 16 مطلبا هي حقوق تمت دراستها بعناية. زارت وأقرت بالمطالب منظمات دولية مختلفة وجهات إعلامية عالمية وعربية بما فيها الأمم المتحدة، وزار وفدها ساحات الاعتصام في كل المحافظات وخاصة ساحة الرمادي عدة مرات برئاسة محمود كفارنة. وزارت وأقرت بالمطالب شخصيات سياسية عراقية مثل غسان العطية وإعلامية مثل سرمد الطائي”.

مشروعية المطالب الـسنية أحرجت نوري المالكي أمام العراقيين والعالم، وأرسل الوزير حسين الشهرستاني إلى الأنبار، غير أنه لم يكن جادا. وإذا كان هناك مَن يظن بأن سبب ظهور داعش هو الإعتصامات فالموصل كانت قد انتهت اعتصاماتها بعد مجزرة الحويجة في أبريل 2013 وسقطت بأيام قليلة في شهر يونيو 2014، أي بعد عام وشهرين من رفع ساحة اعتصام الموصل.

الشخص الذي صعد على المنصة في الرمادي وقال “نحن تنظيم اسمنا القاعدة نقطع الرؤوس″ هو حميده بن أبوحسوني وتم إلقاء القبض عليه من قبل شرطة الأنبار، وأصدرت محكمة جنايات الأنبار حكما بالسجن وتم تسفيره إلى سجون بغداد، ورغم ذلك تصر الحكومة على مشهد صعود هذا المتطرف إلى المنصة ولا تتحدث عن قيام المعتصمين باستدعاء الشرطة لاعتقاله.

الديمقراطية الطائفية التي خربت العراق بمفاهيم المحاصصة والبيت الشيعي وقداسة المرجعية، هي ديمقراطية رجعية خالية من أي مضمون فكري أو إنساني، لهذا تحولت الدولة إلى مؤسسة نهب وتهريب. ليس من الإنصاف تجريم السنة الذين رفعوا شعار “قادمون يا بغداد” للمطالبة بحقوقهم. بغداد عاصمة كل العراقيين، وتبقى مستقبل العراق ورمز وحدته الوطنية.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر