السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

احترامي للحرامي

الفساد قد يكون باسم الديمقراطية وقد يكون باسم الدين وقد يكون باسم الدفاع عن الحق في الحياة والثروة، وقد يلبس ثوب التهريب أو الإرهاب أو الترهيب بغاية الابتزاز.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/08/17، العدد: 10368، ص(24)]

لا حديث في تونس هذه الأيام كالحديث عن الفساد، فالرئيس ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان والوزراء والنواب والمستشارون والصحافة والإعلام والمنظمات والنقابات والجمعيات والقضاة يجمعون على أن الفساد نخر البلاد من بابها إلى محرابها، وأن مستواه ارتفع ومجاله اتسع بعد الثورة البوعزيزية وفي ظل شعارات الحرية والديمقراطية، بل واتضح أن هناك من كبار المسؤولين الثوريين من تبين فساده، وهناك مافيات صارت جزءا من المشهد السياسي، وهناك مؤسسات عمومية مستباحة، وهناك وضع اقتصادي يوحي بإمكانية الإفلاس القريب وفق السيناريو اليوناني.

عندما تمت الإطاحة بالنظام السابق كان الشعار الأوسع انتشارا هو القضاء على الفساد، وخرج التليفزيون الحكومي بسلسلة برامج تفضح ما سمي آنذاك بدولة الفساد، وانطلق الشعراء والروائيون وكتاب الدراما والمسرح ليبدعوا نصوصا تبشّر بنهاية زمن الفاسدين وتدشين زمن الملائكة الأطهار، وظهرت المنظمات والجمعيات المتخصصة في مجال الشفافية، بينما كانت عيون الفاسدين تبرق من خلف الستار بألوان السخرية من الجميع، فالفساد الحقيقي ليس ما كان وإنما ما هو آت، ومع ظهور طبقة سياسية جديدة متداخلة المطامح والحسابات، تحول الفساد إلى أسلوب حياة، وأضحى حاكما بأمره، يطيح بهذا ويرفع ذاك، فيأخذ هذا إلى بر النجاة، ويدفع ذاك إلى بحر الهلاك.

والفساد قد يكون باسم الديمقراطية وقد يكون باسم الدين وقد يكون باسم الدفاع عن الحق في الحياة والثروة، وقد يلبس ثوب التهريب أو الإرهاب أو الترهيب بغاية الابتزاز، وقد يكون بهدف قضاء المصالح المتعثرة أو التنصل من العقاب، فتصبح الرشوة هدية بسيطة، والصفقات التجارية تعاونا على البرّ والتقوى، والعمولات من المستثمرين ورجال الأعمال ثمار مجهود استثنائي من قبل المسؤول.

الطريف أنك قد تكون معاديا للفساد، ورافضا للتعامل مع الفاسدين، ولكن ما إن تضع لك ساقا في ساحة التأثير السياسي، حتى تسمع طرقا على الباب، وما إن تفتح حتى تجد الفساد شخصيا وهو أمامك بقوامه الرشيق ولباسه الأنيق، يبتسم لك ويناديك باسمك ويدعوك إلى جلسة عمل، ليعرض عليك ما تحتاج إليه، وقد تصدّه، فيدخل من الشباك ليهمس أنه لا يريد أن يخسرك وإنما يريد لك أن ترتقي في سلمّ النجاح، فإذا رفضت، دخل عليك عبر الأقارب أو الأصدقاء أو الزملاء، وإذا تمسكت بالرفض، وضع على رأسك مطرقة المؤامرات والتهديدات، وأحاطك بخيوط الإشاعات إلى أن تستسلم لرغباته.

وقد تسمع من يقول لك: قليل من الفساد لا يؤذي، وربما تجد من يردد على مسمعك ما قال عمر بن أبي ربيعة: إنما العاجز من لا يستبد، أو إنما العاجز من لم يفسد، فترفع صوتك بكلمات الشاعر عبدالرحمان بن مساعد “احترامي للنقوص عن قوانين ونصوص احترامي للفساد وأكل أموال العباد والجشع والازدياد والتحول في البلاد من عمومي للخصوص احترامي للصوص”.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر