السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

'الثمن': فكرة جيدة أفسدتها المعالجة السينمائية

  • لا شك أن العنصر الأساسي في أي فيلم سينمائي هو السيناريو، ومشكلة السيناريو هي المشكلة الأكثر بروزا في فيلم “الثمن”، ثاني الأفلام الروائية الطويلة للمخرج حسام العيسوي. والفيلم مقتبس عن رواية لأمل عفيفي التي سبق أن تعاونت مع العيسوي في كتابة فيلمه الأول “الخروج” (2009)، والذي قام بتعديل عنوانه في ما بعد إلى “الخروج من القاهرة”، حتى لا يتصادم مع الأفلام التوراتية الهوليوودية.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/08/19، العدد: 10370، ص(16)]

تعبيرات مفتعلة قدمتها صبا مبارك

كانت تجربة فيلم “الخروج من القاهرة” للثنائي حسام العيسوي (إخراجا) وأمل عفيفي (كتابة) شديدة الجرأة على مستوى الموضوع والشكل، في حين جاء فيلم “الثمن” لنفس الثنائي أقل كثيرا من طموح مخرجه، أساسا، بسبب ضعف السيناريو، مع ثقوب كثيرة أيضا في الإخراج.

كان “الخروج من القاهرة” يصور قصة واقعية، تدور حول التساؤل عن معنى العيش إن لم يكن هناك أمل في النجاة، وكان يصور على نحو ما، ذلك الشعور بالاغتراب الذي يرتبط بواقع يرفض الاعتراف بالفرد ويقوم بتهميشه باستمرار، يحظر عليه إقامة علاقة عاطفية بسبب اختلاف الأديان، ويرفض منحه فرصة حقيقية للعمل والترقي، وعندما يرغب في “الخروج”، أي المغادرة إلى عالم آخر مختلف، يجد نفسه عاجزا، والنتيجة أنه يواصل الدوران في دائرة مغلقة.

وفي نهاية الفيلم عندما تنزل الفتاة “أمل” إلى البحر وتسبح، فإنها تبدو كما لو كانت تتطهر من آثام الواقع، تريد أن تغرق لكنها تعجز حتى عن إغراق نفسها فترتد إلى اليابسة، وقد أدركت أن لا مخرج أمامها.

كشفت تجربة “الخروج”، رغم عيوبها، عن جرأة في الفكر وفي الخيال، وكان الفيلم يلعب ولو على استحياء، على الإيروتيكي والاجتماعي، النفسي والواقعي، ويتميز بثراء الصورة، ونجاحه في تصوير البيئة الشعبية: الحواري الضيقة، أسطح المنازل، الحجرات الخانقة داخل شقق الفقراء، الأسرة المسيحية الفقيرة وصراعاتها الداخلية وتفككها الذي تستره طقوس عتيقة.

الحوار في البعض من أجزاء الفيلم يحتاج إلى إعادة صياغة، ففي الكثير من المشاهد بدا فارغا لا يصلح إلا للحشو

ولم تكن هذه الصور رغم قسوتها، تخلو من جمالها الخاص، فالرغبة المشتركة بين الحبيبين في الارتفاع فوق قسوة الواقع، تجعلهما يهربان إلى سطح المنزل، يرقصان وهما يتطلعان نحو السماء. كان فيلما من قلب الواقعية، وإن لم يكن تحت شعار روسيلليني الشهير “هكذا تسير الأمور”، بل “ليس هكذا يجب أن تسير الأمور”!

فكرة جيدة

أما في فيلم “الثمن” فهناك فكرة جيدة، كان يمكن أن تصنع فيلما شديد الجدة والتميز لو تمت صياغتها بطريقة جيدة، هذه الفكرة تدور حول العلاقة الذهنية الملتبسة بين قاتل ليس بقاتل أصلا، بل مدفوع للقتل، وبين ضحيته المفترضة، على خلفية التطرف الديني في المجتمع المصري وما يؤدي إليه من شحن لنفوس الشباب، واستغلال المفاهيم المغلوطة عندهم، لدفع البعض منهم إلى ارتكاب الجرائم.

لهذه الفكرة أيضا بعدان؛ بعد اجتماعي وآخر نفسي، وكان يمكن الانتقال في ما بينهما بطريقة أفضل كثيرا لو تركز السيناريو على “خالد” (عمرو يوسف) خريج الجامعة الفقير الذي دفعته قسوة الظروف الاجتماعية إلى العمل سائق تاكسي، يعاني من أجل دفع الأقساط، وعندما تمرض زوجته وتحتاج إلى عملية جراحية، يعجز عن تدبير النفقات، ويقع في حبائل محام من أولئك المنتشرين في زمن “ما بعد الانهيار”، يعمل لحساب “أصحاب المصالح” من الضالعين في منظومة الفساد، الذين يريدون التخلص من “جلال محمود” وهو كاتب صحافي مرموق (ورئيس تحرير لإحدى الصحف المستقلة).

سنعرف في ما بعد أنه يحارب الفساد في كتاباته، ويحمل على المنحرفين والفاسدين الذين استولوا على ما لا يحق لهم من أراض واسعة، بالتحايل والغش، بل وأصبحوا يستخدمون أيضا شقيقه الجشع “محمود” الذي يخفي جشعه تحت لحية مزيفة، تمشيا مع مظاهر “اللوثة الدينية”. وهم الآن عن طريق المحامي “صفوت” يحاولون استغلال ظروف “خالد”، ودفعه إلى قتل الكاتب الصحافي بدعوى أنه كافر ومرتد ويدعو إلى التخلي عن الإسلام.

في شخصية رئيس التحرير (الذي يقوم بدوره عبدالعزيز مخيون)، ملامح من شخصية الكاتب فرج فودة الذي اغتيل بتحريض من الجماعات الإسلامية المتطرفة في التسعينات بموجب فتاوى تكفيرية، وكان له كتاب شهير عن “شركات توظيف الأموال”.

وكان من الممكن استخدام تلك العلاقة بين قاتل متردد، يحاول البحث عن مبرر من الدين، لارتكاب جريمته، فيشتري كتابا للكاتب لا يقرأه، بينما تغلبه الحاجة إلى المال لإجراء عملية جراحية على زوجته التي ترقد في المستشفى بين الحياة والموت، وبين الكاتب الصحافي الذي يعطف عليه، ويستقبله في مكتبه، ويحاول أن يلحقه بعمل إضافي في صحيفته.

متاهات وحكايات موازية تبدأ ولا تنتهي

كان من الممكن أن تمتد العلاقة بين الرجلين، وتتخذ أبعادا أكثر عمقا، على نحو العلاقة بين سعيد مهران ورؤوف علوان في “اللص والكلاب”، أو راسكولينكوف وضحيته في “الجريمة والعقاب”، أقصد من حيث الأبعاد المركبة، والصراع الداخلي والبحث عن تبرير ديني أو أخلاقي، ولكن نسج ملامح علاقة يتداخل فيها الجانب الاجتماعي بالجانبين النفسي والفلسفي، يقتضي وجود سيناريو أكثر جدية، لا ينحرف بعيدا عن الموضوع الأساسي، وهو التطرف الديني والغطاء الإسلامي للانحرافات والفساد، وشيوع ثقافة التكفير وتأثيرها على الشباب الذي لا يقرأ، وإنما يكتفي بالاستماع إلى ما يردده بعض المشايخ في القنوات الدينية (وهذه النقطة الأخيرة مصورة في الفيلم).

وفي هذه الحالة كان لا بد أن تصبح الشخصية أكثر عمقا، وتصبح لغة الحوار بين خالد وجلال أكثر عمقا على مستوى دلالاتها ومغزاها، والأهم ألاّ ينحرف الفيلم -كما حدث- عن موضوعه الرئيسي، ليدخلنا في متاهات وحكاية موازية، تبدأ ولا نعرف كيف تنتهي.

الخيط الثاني

تدور القصة الثانية حول “ديمة”، وهي لاجئة سورية في مصر، تقول إنها غير حاصلة على أوراق إقامة رسمية وليس لديها عمل ولا مسكن، وهي وحيدة تماما، لهذا قبلت الزواج من محامي الفساد “صفوت” (يقوم بالدور ببراعة كبيرة صلاح عبدالله كعادته)، كزوجة ثانية للمتعة فقط.

وهي تتحمل الغلظة وسوء المعاملة، وعندما تتعرف على جارها “محسن”، الذي يتقرب منها، دون أن تتطور العلاقة بينهما، ويعلم صفوت بذلك، يعتدي عليها بالضرب، ثم يحبسها داخل الشقة التي استأجرها لها في تلك المنطقة المعزولة، لكنها تهرب من محبسها، لكي تقابل (صدفة) السائق “خالد” الذي يقوم باختطافها، ثم احتجازها في شقته بعد وفاة زوجته، دون أن نعرف سببا لذلك، ثم يطلق سراحها دون أن نفهم السبب أيضا، فتعود إليه، تقيم في شقته دون أن تتطور علاقتهما في أي اتجاه، فهو يشعر بالذنب بعد أن قتل جلال، وبالحزن الشديد بعد وفاة زوجته، ولا يعرف صناع الفيلم كيف يجدون مخرجا دراميا من هذا المأزق، بعيدا عن الكثير من المشاهد الساذجة التي تفتقد للمنطق والإقناع، ناهيك عن ضعفها الشديد من ناحية الإخراج.

بدا النصف الأول من الفيلم مشدود الإيقاع، وكان يوحي، رغم البعض من السقطات ورغم الغموض المصنوع المحيط بشخصية محمود شقيق جلال (كمثال)، بتطور درامي مقبول في بناء الشخصية الرئيسية.

ومع ذلك، جاء النصف الثاني من الفيلم مترهل الإيقاع ومفككا، فيه إفراط في عقد الأحداث، مع الانسياق نحو علاقة ديمة بجارها المصور الفوتوغرافي، الذي لا يبدو متحمسا لإقامة أي علاقة معها، يقدمه الفيلم كنموذج مضاد لصفوت الشهواني، فهو لا يرى في ديمة سوى مادة للتصوير، رغم رغبتها “المفترضة” في العثور على “رجل” يمنحها الحماية.

هكذا شاء السيناريو المفكك الضعيف الذي يراهن رهانا خاسرا على تحقيق التقريب بين خالد، القاتل المأزوم، واللاجئة السورية المأزومة، في حين لا يوجد أي تشابه بينهما حتى على المستوى الذهني المجرد.

ومما يزيد الأمر التباسا، ذلك الأداء السيء والضعيف من جانب الممثلة صبا مبارك (ديمة) التي تؤدي الدور بتعبيرات بدت مفتعلة، خاصة في اللقطات القريبة، وكأنها لا تجد ما تفعله سوى التحديق في الفراغ فأصبحت تتحرك داخل الكادر على غير منهج.

أضف إلى ذلك اضطراب مونتاج منار حسني، وفشله في الانتقال المحسوب بين المواقف المختلفة، مع الاضطراب في الإيقاع بسبب ترك الكثير من اللقطات الزائدة التي كان يجب استبعادها من الفيلم. وكان الحوار يحتاج إلى إعادة صياغة، ففي الكثير من المشاهد بدا فارغا لا يصلح إلا للحشو، خاصة الحوارات التي تدور بين ديمة وخالد، وبين ديمة وجارها.

مشكلات الصنعة

حاول هشام العيسوي التركيز على التصوير في الأماكن المعزولة في أحد الأحياء الجديدة على هامش القاهرة، في مناطق منها مازالت تحت الإنشاء، أو على حدود الصحراء، واستخدم اللقطات من زوايا مرتفعة للإطلال على جزء من المدينة.

نسج ملامح علاقة يتداخل فيها الجانب الاجتماعي بالجانبَيْن النفسي والفلسفي، يقتضي وجود سيناريو أكثر جدية

وفي مشاهد أخرى تدور كاميرا الديجيتال لتتحرك مع تحرك صبا مبارك في فضاء الكادر، ثم يستغرق وقتا طويلا في تصوير مشهد هروبها؛ فتراها أولا داخل الحمام، ثم وهي تنزع إطار النافذة ثم تتسلق وتنفذ منها إلى الخارج، ثم تنزلق فوق الأنابيب الخارجية (المواسير)، قبل أن تقفز، وبعد ذلك تلجأ إلى دورة مياه داخل محطة بنزين معزولة تماما على طريق خارج المدينة، وداخل دورة المياه نراها في لقطة قريبة، وهي تمسح وجهها بينما تتطلع في المرآة وقد أصيبت بجرح في شفتها دون أن يكون هناك سبب، ثم تنتبه فجأة، وتتطلع في فزع بعد أن تسمع صوت سيارة وصلت إلى المحطة في الخارج، دون أي مبرر بالطبع، فمن المفترض أن تتوقف العشرات من السيارات في محطة الوقود كل لحظة.

ومع ذلك، هذه السيارة التي تنتبه إليها ديمة دون غيرها، تشاء الصدفة أن تكون سيارة التاكسي التي يقودها “خالد”، وعندما تخرج وتسير على الطريق، يقوم باختطافها في لقطة شديدة الضعف من ناحية التنفيذ الحرفي الأولي.

خالد سينتهي نهاية دامية متوقعة، لكي تستمتع ديمة بقيمة الجائزة المالية الضخمة التي كانت مرصودة لمن يرشد إليه، لكن المتفرج لا شك سيتساءل: هل يجوز قبض قيمة المكافأة، بعد أن يكون المبلغ عنه قد مات بالفعل؟ ولكن يشاء السيناريو أن يجعل ديمة هي الفائزة من الحكاية كلها، فنراها في المشهد الأخير تشرف على تجهيز شقتها الجديدة، ثم تحمل آنية زهور إلى الشرفة بعد أن ترويها بالماء!

لم يكن عمرو يوسف ملائما لدور خالد، فقد كان الدور يقتضي الاستعانة بممثل أكثر حساسية، ولم ينجح في تقمص شخصية شاب حائر بين الحقيقة والفعل، وبين قناعاته الداخلية وما هو مفروض عليه بفعل قسوة الظروف، بل بدا جامد الملامح، يؤدي الدور بتعبير واحد على وجهه. خسارة أن يبدد هشام العيسوي موهبته في عمل كهذا، ولكن هذه بكل أسف نتيجة استسهال الأمور، مع الكثير من الافتراضات الخاطئة التي تنتهي إلى خداع الذات.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر