السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

سوري ولبنانية رسما صورة الشرق الأوسط الغريق

  • بعنوان “مشاهد عن بعد” يقدم الفنان التشكيلي السوري جوني سمعان مجموعة من اللوحات، مشغولة بتقنية الأكريليك والألوان الزيتية في صالة “رمييل 392” البيروتية، تتمحور جميع لوحات الفنان حول علاقة الإنسان بالمحيط المجاور والمفتوح على اللامحدود في الآن ذاته، وذلك ضمن لوحة واحدة. أعماله المعروضة تتلاقى دون أن تتماثل مع تجارب أخرى كتجربة الفنانة اللبنانية زينة عاصي التي منذ بدايتها الفنية تناولت دينامية الفرد ضمن الجماعة.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/08/19، العدد: 10370، ص(17)]

جموع تتدفق كتدفق الموج (لوحة جوني سمعان)

بيروت- لا مناص من أن تشكل المقارنة بين فنانين شيئا من الامتعاض لدى الفنانين بشكل عام، خاصة إذا حصلت المقارنة في خدمة إظهار جملة من التأثرات في ما بينهما من خلال التجربة الفنية، إلا أن هذا لا ينطبق على الفنانين السوري جوني سمعان والفنانة اللبنانية زينة عاصي من ناحية أسلوب التعبير رغم تقارب الحقل الذي يشتغلان فيه.

وبالرغم من أن مضمون لوحتيهما يطرح جدلية وثنائية حضور الإنسان في بقعته الجغرافية، لكن ذلك يعبر عنه الفنانان كل وفق نظرته وتجربته الشخصية وميوله الفنية. أضف إلى ذلك أن الفنانين قد يشكلان نوعا من تكامل مضموني يضع المشاهد أمام شمولية الفكرة المُعالجة وأهمها الإنسان في مبيته المأزوم في جغرافية مُتحولة تعصف بها التحولات المدينية من ناحية والسياسية من ناحية أُخرى، وتتقارب التحولات تلك في لوحتيهما حتى يصبح السياسي هو المدينيّ والعكس صحيح.

يذكر أن الفنان جوني سمعان من مواليد اللاذقية 1983، تخرج من كلية الفنون الجميلة جامعة دمشق عام 2007، وله العديد من المعارض الفردية والجماعية داخل سوريا وخارجها.

جوني وزينة

يقدم الفنان في صالة “رمييل 392” لوحات تسكنها قوافل من شخوص مُرتصة تعلو وتهبط في مساراتها كأمواج تتعالى حينا وتتكسر حينا آخر على وقع مأساة عامة، يشير إليها الفنان بخصوصية فريدة وبأسلوب سينوغرافي مشغول بحرفية الإضاءة وتضافر الألوان المُستخدمة.

في لوحاتها ترثي زينة عاصي الحرية الشخصية والخصوصية الفردية وفي لوحات جوني سمعان هناك تماه بين الأفراد

من هذه اللوحات نذكر اللوحة التي تظهر فيها شخوص تتقارب فتتلاقى في شبه منتصف اللوحة حيث يرزح كائن بشري في حالة تشنج شديد مردّه لحظة انفصال عن شخص آخر. تعمر هذه اللوحة بغرائبية لا سيما في الأسلوب الذي رسم فيه الفنان جسدي الشخصيتين الرئيسيتين في اللوحة دون أن يقلل ذلك البتة من واقعية الوجع الذي يمثلانه.

في تلاق مع هذه الرؤية الفنية عمدت الفنانة زينة عاصي في آخر معرض لها الذي حمل عنوانا له “حركة الجموع” في مدينة دبي إلى إضافة مقطع موسيقي دراماتيكي إلى حركة الأمواج البشرية التي قدمها الفنان جوني سمعان في معرضه. أما تميز عملها عن نصه فهو كامن في أنها تنفي وجود علاقة حميمية بين شخوصها المرسومة ضمن جماعات.

في لوحاتها ترثي الفنانة الحرية الشخصية والخصوصية الفردية مما يجد صداه في لوحات الفنان جوني سمعان المُغرقة في التماهي بين الأفراد، تماه رصدته الفنانة في لوحاتها وأظهرت الجانب السوداوي منه بعد أن أصبحت “وحدة الحال” نوعا مُضاعفا من المأساة حيث تضيع التمايزات بين الأشخاص لتصبح مصهورة في كتلة واحدة، ومرصوصة لا تتيح لعناصرها المؤلفة، أي الأفراد، أن تكون بمعزل عنها ولا تدعها تجد لذاتها منفذا للتعبير عن فرديتها وعن رغاباتها وأحلامها الخاصة.

لا يجدي نفعا، في السياق، الحديث عن تجربة الفنانين منذ أن بدآ في تحويل تلك الأمواج البشرية إلى لوحات، ما يهم هو هذا التكامل الرائع الذي أنتجه فنانان تشكيليان شابان من هذا الشرق الأوسط المعاصر.

الكلب والسمكة

تتميز بنائية لوحات سمعان المعروضة في الصالة بأنها تعتمد على ديناميكية التلاقي بين مجموعتين متقابلتين من الناس في اللوحة الواحدة، كلما حاول نظر المُشاهد أن يخرج من اللوحة يعيدها الفنان إليه بحيلة تشكيلية قوامها عدم التكرار وحشد عناصر أو حتى وضع عنصرين متعاكسين، كشخصين متقابلين أحدهما في يسار اللوحة والثاني في يمينها. هذا البناء يخدم المعنى الذي يريد الفنان إيصاله. فهو ليس بصدد رسم الجموع، بل هو يعمل على بناء نص مضموني عنوانه الكدّ والتعب في سبيل الحصول على حياة كريمة.

رغم أن الفنانين يطرحان نفس المواضيع فإن كلا منهما يعبر عن ذلك وفق نظرته وتجربته الشخصية وميوله الفنية

كما أراد الفنان أن يركز على عنصر إيجابي في اللوحة هو بمثابة مُساعد للإنسان وعالم بأمر “ناره وبخاره”، إذا صح التعبير. هذا العنصر هو الصديق المُجسد في صورة كلب صغير لا يغادر معظم لوحاته. أما الجهد البشري والرغبة في الرزق وأدنى شروط العيش الكريم، فجسدها جوني سمعان في حضور سمكة تتبدل ألوانها مع تبدل اللوحات لدواع بصرية وإيحائية على حد السواء.

يرسم الفنان الزحام والتراص البشريين ويرسم المسيرات البشرية التي تبدأ أحيانا من العدم (ظهور بدايتها متلاش أو شبه متلاش) لتنتهي بحضور بارز أو باهت ليقيم التوازن في أفق اللوحات. ما يجعل هذا التوازن مميزا في عمله ليس فقط البراعة التشكيلية، بل السردية الضمنية التي يمكن اعتبار أبطالها في لوحاته ثلاث كائنات تكون أحيانا كثيرة متواطئة مع بعضها البعض وهي: الكلب والسمكة وبينهما خط أحمر يضيق ويشتد ويختفي ليظهر من جديد.

خط أحمر يشير أحيانا إلى مواطن المعنى في اللوحة أو هو عنصر مُساعد يساند في معظم الأحيان الكلب أو السمكة في اختيار طريقهما أو في خلاصهما من الغرق أو الضياع أو الوقوع في العدم. كما أن الشخوص في لوحات سمعان تأتي من كل حدب وصوب، حتى يكاد المُشاهد يشعر بها تنحدر من أعلى جبل غير مرئي، أو تجيء من طرف اللوحة كقافلة تتداخل ألوانها كما تضيع فيها الملامح الفردية الإنسانية التي هي المكونات الجوهرية للقافلة، وهي في معظم الأحيان جموع تتدفق كتدفق الموج في البحر.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر