الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

محامي الشيطان

قد لا يكون في تاريخي الشخصي ما يشبه تاريخ الفنان، ولكن من المؤكد أن قطعة الحجر التي أحضرتها تمتلك 'ذاكرة مُساعدة' وهي الجانب المضيء الوحيد من زيارتي إلى الإقامة الفنية.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/08/19، العدد: 10370، ص(17)]

أسرد قصة ربما تكون مدخلا إلى فهم البعض من جوانب الفن المعاصر: منذ أكثر من سنتين نظمت جمعية “منصّة فنيّة مؤقتة” زيارة مجموعة من الفنانين الأجانب إلى بلدة “مزيارة” بهدف تشجيع الممارسات الفنية المعنية بالأضرار البيئية الناجمة عن المجمع الصناعي الذي يقع على أطراف غابة البلوط العتيقة”.

تلقيت يومها دعوة لمواكبة هؤلاء الفنانين في إقامتهم الفنية التي دامت حينها طوال شهر أغسطس. تحمست كثيرا للفكرة ولزيارة البلدة المرتفعة عن سطح البحر 750 كلم والمُلقبة ببلدة “التحف الفنية والقصور”، غير أنني بعد وصولي إلى البلدة أُصبت بخيبة أمل كبيرة مما رأيته من ممارسات فنية معاصرة وباهتة.

كنت آنذاك، بين هؤلاء الفنانين، أشبه بحجري صوّان أتخبّط مع ذاتي محاولة إحداث شرارة أبثّها في زيارتي، وأحدثها أيضا في روح الفنانين الشباب الذين كانوا شبه معدومي الحماس.

لم تستمر زيارتي لأكثر من يوم، لكنني لم أغادر البلدة إلا بعدما زرت غابة البلوط. هناك وقعت عيني على قطعة حجرية غريبة الشكل، على الأقل بالنسبة لي، لا يتعدى حجمها الأربعين سنتمترا أما وزنها فليس أقل من 3 كيلوغرامات. حملتها لأضعها في حقيبتي متسائلة إن كان ما فعلته قانونياً. أجابني أحد منظمي الزيارة الفنية، وقد استغرب من اهتمامي الشديد بهذه “اللُقيا” أكثر من اهتمامي بالفنانين، بأنه لا مشكلة في ذلك، غير أنه نصحني بعدم حملها لأنه كان “لدينا طريق طويل ووعر أمامنا”. بالطبع لم أسمع نصيحته. بعد أن مشينا أكثر من نصف ساعة، عرض عليّ أن يحملها. شكرته ولكنني فضلت أن لا يحملها أحد غيري، وكنت أضحك بين الفينة والأخرى من شدة التعب بسبب الثقل في حقيبتي. عدت إلى بيروت. غسلتها ووضعتها بكل فخر في مكتبتي وهي لا تزال هناك حتى الآن.

أتساءل كمحام للشيطان، وبعد حضوري للكثير من المعارض التي تضم أعمالا تجهيزية ومفهومية معاصرة إن كانت قطعة الحجر التي أحضرتها معي يمكن أن تُوضع في معرض للفن المفهومي المعاصر كونها تستوفي عددا من شروطه. قد ألصق بقربها كلمة “بلا عنوان” أو أضع لها عنوان “ثوث” نسبة إلى إله الكتابة الذي قال عنه أفلاطون بأنه “مخترع الذاكرة الزائفة-الذاكرة المُساعدة.. مقابل الذاكرة المُعاشة”، وإن أردت الإيضاح أكثر، قد أضع بقرب هذا العنوان “مهداة إلى الشاعر جيمس جويس”، لا سيما أنه سبق لي أن رأيت في أحد المعارض فوهة في جدار أو فوهتين وبالقرب منهما إشارة إلى نص من نصوص ديريدا.

من الأعمال الفنية التي تقترب من “منحوتتي المفهومية” والمعاصرة ما قدمه الفنان الأميركي المعاصر، كارل أندري، الذي يعد من المؤسسين للحركة المينيمالية في الفن، من بين أشهر أعماله “قطع غير منحوتة”. مداخلته الفنية الوحيدة في هذه القطع هي عن كيفية جمعها مع بعضها البعض.

يرفض الفنان تسميته بالمفهومي ويفضل تسميته بالفنان المينيمالي. يقول “فكرة في العقل ليست فنا. العمل الفني هو حضور ملموس. أما بالنسبة إلى أعمالي فهي لا تنطلق من فكرة بل من رغبة”.

لاستيعاب ما قصده الفنان يجب أن نكون مطلعين على نشأة الفنان حيث كان والده يشتغل مع مهندسين معماريين. منذ ذلك الوقت كان يتأمل القطع المهملة من خشب ومعدن وقرميد ويتحسّر على قطع الغرانيت الجميلة الملقاة على قارعة ورش البناء حتى أصبح، ومنذ بدايته الفنية في الستينات من القرن الفائت، ينتقي قطعا من مواد مختلفة ومهملة في الشارع حسب رغبته ليأخذها إلى بيته ثم يقدمها لاحقا كعمل فني مينيمالي.

قد لا يكون في تاريخي الشخصي ما يشبه تاريخ الفنان، ولكن من المؤكد أن قطعة الحجر التي أحضرتها تمتلك “ذاكرة مُساعدة” وهي الجانب المضيء الوحيد من زيارتي إلى الإقامة الفنية. هل يكفي ذلك لأن يجعلها عملا فنيا مفهوميا؟ ربما. أغلب الظن أن الذكريات المرتبطة بها عليها أن تفيض في أعمال مفهومية بمعزل عنها، أي أن تكون منطلقا لها، لا أكثر.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر