الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

المثقفون وقوائم العار

في العراق نحن جميعا تورّطنا في الأفق المسدود والصراع الطائفي، وبحاجة اليوم إلى قلب ثقافي وطني مشابه لقلب الكاتبة اليهودية حنا أرندت التي تفهمت محنة هيدغر وساعدته على تخطيها.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/08/20، العدد: 10371، ص(16)]

أحد أكبر الفلاسفة في القرن العشرين مارتن هيدغر (ت 1976) فتح قضية خطيرة للنقاش؛ وهو صاحب كتاب “الكينونة والزمان” فقد تورط بمعالجة النازية، حتى أنه كان عضوا في الحزب النازي، وتم تعيينه مسؤولا في إحدى جامعات ألمانيا زمن هتلر. عندما سقطت برلين وجدته قوات الحلفاء في بيته وكان من ضمن الأسماء المطلوبة، تم التحقيق معه بقسوة إلى درجة أنه حاول الانتحار في المرحاض، لكنهم سارعوا إلى إنقاذه وانهار تحت ضغط الأسئلة والعقاب حتى أنهم حولوه إلى مصحّ عقلي بكرسي متحرك.

لدى هذا الرجل تلميذة وعشيقة يهودية قديمة هي الكاتبة حنا أرندت (ت 1975) سعت إلى إنقاذه، فأرندت كانت من أهم الكتاب الذين فضحوا النازية وتم تعيينها بعد النصر في لجنة مكافحة النازية واجتثاثها. توسطت لهيدغر بكل ما تملك من علاقات وسلطات، وتم إطلاق سراحه ووضعه تحت الإقامة الجبرية، ومُنع من التدريس مدى الحياة لأنه رفض الاعتذار.

ضربت حنا أرندت موعدا في مقهى قديم للقاء هيدغر، وقد وقف على مدخل المقهى ورفع قبعته الداكنة وردد لها أبياتا عميقة لهولدرلين، ربما أرادت أن تسأله لماذا يا هيدغر؟ ما الذي يجعل من أهم فيلسوف في عصرنا نازيا؟ لم يكن نازيا ولكنّه ألماني، وإذا تورط شعبه فإنه متورّط. على المثقف أحيانا أن يكون متورطا مع شعبه، وليس واعظا ومتعاليا عليه.

سألته ماذا تريد مني؟ قال فقط ساعديني في الذهاب إلى الغابة السوداء، وقد سمحوا له بسببها من الانتقال إلى كوخ في الغابة السوداء، حيث قضى بقية حياته بعيدا عن صخب العالم، وفي عُزلة يمارس رياضة المشي ويكتب في الفلسفة. لم يكن هيدغر نازيا فهو كاتب ألماني مسيحي قومي، لغته من عظام وأسلاف ذلك الشعب. لم يستطع العالم إهمال هيدغر حتى النهاية، بل اليوم هو أهم بكثير من سارتر.

السؤال هو ما جدوى هذه القوائم التي يصدرها مثقفون ضد مثقفين آخرين في العراق؟ قوائم بأسماء المثقفين البعثيين، وأخرى بأسماء المثقفين الطائفيين الشيعة والسنة؟ هذا الإرهاب الثقافي وإعداد قوائم يطلقون عليها “قوائم العار” هي العار الحقيقي وهدر لكفاءات وطنية يمكن للوطن الإفادة منها في الحوار الوطني.

على المستوى العربي قام الشيخ عوض القرني عام 1988 بتأليف كتاب ضد الحداثة بعنوان “الحداثة في ميزان الإسلام” كما قام الباحث سعيد ناصر الغامدي بإصدار كتاب مشابه من ثلاثة أجزاء في المعنى نفسه، وكلاهما وضع قوائم بأسماء مثقفين تنويريين يقع عليهم حكم الردّة ورفع عصمة الدم، الأمر الذي جعل السلطات توفر حماية للمثقفين وتردع الثقافة التكفيرية بالمناصحة.

فالدول العربية ترفض محاكم التفتيش ولا تريد العودة إلى عهد الخليفة القادر بالله الذي هدر دم الفلاسفة والرافضة والمعتزلة عام 1018. وزير الخارجية السعودي التنويري عادل الجبير رغم اعتزازه بالإسلام كهوية وحضارة، أكد في أكثر من مناسبة على الحريات وأن القيم التنويرية موضع تقدير في المملكة.

في العراق نحن جميعا تورّطنا في الأفق المسدود والصراع الطائفي، وبحاجة اليوم إلى قلب ثقافي وطني مشابه لقلب الكاتبة اليهودية حنا أرندت التي تفهمت محنة هيدغر وساعدته على تخطيها.

كاتب عراقي مقيم في كندا

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر