الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

خمسة وأربعون عاما على ظهور تحفة سينمائية خالدة

فيلم 'غويا.. الطريق الشاق إلى المعرفة' يعيد الفيلم إحياء شخصية 'غويا' العظيم ليجعل منه فنانا مناهضا للقهر والتسلط والدكتاتورية

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/08/21، العدد: 10372، ص(16)]

أجاد الممثل الليتواني دوناتاس بانيونيس أداء دور غويا

يندر أن يجتمع الفن الرفيع مع الرؤية النقدية الراديكالية للاستبداد في فيلم واحد، خاصة إذا كان هذا الفيلم قد أنتج من قبل المؤسسة الرسمية في إحدى دول أوروبا الشرقية في زمن الهيمنة الأيديولوجية للحزب الشيوعي، وأخرجه مخرج محسوب على النظام السياسي، بل أحد من صعدوا في ظله.

مرت الآن خمس وأربعون سنة على ظهور فيلم “غويا.. الطريق الشاق إلى المعرفة” الذي أخرجه عام 1971 كونراد فولف، من ألمانيا الشرقية (سابقا)، ويعتبر أحد أفضل عشرة أفلام أنتجت في تلك الدولة، وأحد أفضل الأفلام الألمانية عموما. ورغم ذلك، ظل مخرجه (الذي توفي عام 1982 عن 57 عاما)، يلقى الكثير من التجاهل والإهمال حتى بعد سقوط جدار برلين وتوحيد ألمانيا. وربما يرجع ذلك إلى انتمائه لأسرة ارتبطت بالاتحاد السوفييتي وفلسفته الاشتراكية التي أصبحت من “آثار الماضي” المكروهة في ألمانيا الآن، كذلك كان شقيقه ماركوس فولف الرجل الثاني في جهاز المخابرات الألمانية الشرقية (شتازي). لكن مما لا شك فيه أن فولف، الذي أخرج 16 فيلما في الفترة من 1954 إلى 1981، أخرج بعضا من أفضل الأفلام التي عرفتها ألمانيا ومنها فيلمه الشهير “البروفيسور مملوك” (1961).

بصور الفيلم المراحل الأخيرة من حياة الفنان التشكيلي الأسباني العظيم فرنشيسكو غويا (1746 - 1828) ويعتبر أفضل الأفلام التي صنعت عن هذا الفنان الذي لحق بعصر عظماء الفن التشكيلي المعاصر، كما ساهم في تشكيل بدايات الفن التشكيلي الحديث.

من عالم الأدب

عن رواية الكاتب الألماني ليون فيختافاغنر “هذه هي الساعة” التي صدرت عام 1951، كتب فولف السيناريو، بالاشتراك مع الكاتب البلغاري أنجل فغنشتاين، وكان فيختافاغنر كتب الرواية خلال إقامته في الولايات المتحدة الأميركية التي استقر فيها بعد أن غادر ألمانيا عقب صعود هتلر إلى السلطة، ولكنه ظل يحتفظ بأفكاره اليسارية وعلاقته بالاتحاد السوفييتي الذي زاره عدة مرات، ويتفق نقاد الأدب على أنه كتبها وفي ذهنه، ما تعرض له من مراقبة وتضييق من جانب المباحث الفيدرالية الأميركية.

يستند الأساس التاريخي للفيلم على الفترة التي صعد خلالها نجم غويا في ثمانينات القرن السابع عشر، عندما أصبح رسام البلاط الملكي في عهد شارل الرابع، ولكنه وهو الذي ينتمي في الأصل إلى عائلة من الفلاحين من مقاطعة الأراغون، كان مرتبطا بالفطرة ببلده أسبانيا التي تعرضت لغزو الجيش الفرنسي في تلك الفترة، وشهدت تلك الفترة أيضا بداية تسلل الفكر الجمهوري التحرّري المناهض للملكية الإقطاعية في أسبانيا التي كانت تشهد في الوقت نفسه المرحلة الأخيرة لهيمنة “محاكم التفتيش”، التي وجّهت سهامها بتشجيع من شارل الرابع، إلى الأصوات الحرّة المعارضة التي تزعمها بعض فلاسفة التنوير.

ثلاث مستويات

تدور الأحداث على ثلاث مستويات: على المستوى الأول نرى غويا، الفنان الموهوب الذي يعبّر في لوحاته عن ولعه بالمرأة من خلال “البورتريهات” الكثيرة لشخصيات مختلفة من النساء، وعندما يسعى لعرضها على للشعب، تصادرها الكنيسة، ويُستدعى للمثول أمام قاضي قضاة التفتيش الذي يحذره من الخروج عمّا هو مسموح، ثم يقول إنه سيقبل من غويا “إهداء” هذه اللوحات للكنيسة.

يصبح غويا رسام البلاط، لكنه يعاني بسبب ما يشعر به مساعده وصديقه المخلص “ستيف” صاحب الاتجاه التنويري، من ازدراء لما ينتجه غويا من لوحات لإرضاء القصر. وستيف هو معادل لضميره الحيّ، وهو الذي يعرّفه على جماعة التنويريين وعلى رأسهم الفيلسوف جوفيلانوس والمغنية ماريا غوميز التي تنشد أغاني الفلامنكو التي تحمل نغمة تنويرية للشعب.

من أفضل مشاهد الفيلم مشهد محاكمة الخارجين على النظام من وجهة نظر قضاة التفتيش. هذا المشهد يتميز بالدقة والحرفية في تصميم الديكورات والملابس والإكسسوارات، مع اختيار لافت لزوايا التصوير والإضاءة والمونتاج عن طريق القطع في الوقت المناسب بين شخصيات القضاة، ثم ممثل الكنيسة، إلى غويا، إلى المتهمين، إلى حشد الحضور، وهكذا

على المستوى الثاني هناك غويا، زير النساء، صاحب النزعات البوهيمية، الذي يغشى عالم الليل، ويتخذ لنفسه عشيقة رغم أنه متزوج، لكنّه لا يتوانى عن تقديمها لرئيس الوزراء بناء على رغبته، لكي يضمن الصعود وسط هذه الطبقة التي لا ينتمي إليها أصلا. غويا البوهيمي لا يقيم وزنا كبيرا لقيم الشّرف والنزاهة، بل إنه يرضخ أيضا للملك عندما يصرّ أن يصارعه، فيتفوّق غويا عليه لكن الملك يلجأ إلى أساليب من القوة والعنف غير مشروعة في اللعب، لكي يطرح غويا أرضا. وفي مشهد قصد به تصوير ما بلغه غويا من انحدار، يلهو الملك بنموذج كرتوني لسفينة فيتركها تسبح فوق سطح مياه نافورة ملوّثة داخل قصره، ثم يطلب من غويا أن ينتشلها ويعيدها إليه لكي يهينه ويحقّر من شأنه ويلهو بمنظره وهو يغوص في الماء والطين.

ينتقم غويا من الملك بطريقته الخاصة عندما يتلاعب به وبعائلته وخاصة الملكة المتعجرفة ماريا لويزا، وهو يرصّهم أمامه داخل إحدى قاعات القصر، من أجل اختيار الزاوية المناسبة لرسم اللوحة الشهيرة للعائلة، فيرغمهم على الهرولة من أقصى القاعة إلى أقصاها، مرات عدة، بدعوى أن الضوء غير مناسب. وعندما يزيح غويا الستار أخيرا عن اللوحة بعد أن تكون قد اكتملت، يصدم أفراد العائلة المالكة وهم يرون أنفسهم في صورة بشعة (سبق أن علّق غويا لصديقه عندما يبدي إزعاجه من بشاعة الشخصيات المصوّرة في اللوحة بقوله إن ما يهمّه هو تصوير الحقيقة وليس تجميلها). وبعد برهة من الصّدمة والدهشة والوجوم، تتغلب الملكة على مشاعرها وتصفق معلنة ترحيبها باللوحة، يتبعها في ذلك الملك. وتصبح اللوحة أثرا هاما من آثار غويا المختلف عليها حتى اليوم!

ينجذب غويا بشدة إلى دوقة ألبا الحسناء المتمردة على تقاليد العائلة الملكية، وهي التي تغويه وتقيم معه علاقة حسيّة، ونشاهد في الفيلم المثير مشاهد للاثنين وهما يغشيان معا الحانات الشعبية في مدريد في الليل. وسينتقل غويا فيما بعد للإقامة معها في قصرها بالأندلس بعد وفاة زوجها، وبعد أن ترغمها الملكة على الرحيل عن مدريد. ويصوّر الفيلم كيف استمد غويا لوحته الشهيرة “المرأة العارية” واللوحة الثانية للمرأة نفسها بالحجم الكامل للجسم وهي ترتدي ملابسها. ومصدر اللوحة موضوع مختلف عليه بين النقاد والمؤرخين وكتّاب سيرة غويا.

على المستوى الثالث يبدأ وعي غويا في التفتح على حقيقة ما يحدث في بلاده، بعد أن يحضر إحدى جلسات محاكم التفتيش، التي يحكم خلالها بالجلد والسجن على عدد من التنويريين منهم جوفيلانوس والمغنية ماريا ورفاقها وعدد من أكبر رجالات الدولة من النبلاء. وكان استدعاء غويا لحضور الجلسة تلويحا غير مباشر له بالكفّ عمّا يبديه من جرأة في التعبير عن آرائه، ثم يواصل الفيلم رصد تطور الوعي عند غويا بعد أن يصاب بالصّمم، ويذهب إلى قريته في الأراغون حيث يقابل والدته العجوز، ويعاني أيضا من بعض الهلوسات البصرية والسمعية التي يستلهم منها لوحاته التي أصبحت تمتلئ بالوجوه القبيحة البشعة التي ترمز لسلطة محاكم التفتيش، واللوحات التي تصوّر عمليات إعدام الثوريين. لقد تحول من فنان البلاط إلى ثائر على القمع والاستبداد.

إزاحة الستار في القصر الملكي عن لوحة العائلة الملكية

الفنان والسلطة

تظهر في الفيلم ثلاث مرات، لوحة “نوم العقل يوقظ الوحوش” إحدى لوحات غويا الساخرة، وفيها يظهر غويا نائما بينما تحلق الحيوانات والطيور المتوحشة من فوقه، كأنه يسخر من سذاجته وغفلته. وفي اللوحة كما في سائر أعمال الحفر على النحاس التي طبع منها الكثير من النسخ، يهجو غويا الأوضاع المتسلّطة.

يعيد الفيلم إحياء شخصية “غويا” العظيم ليجعل منه فنانا مناهضا للقهر والتسلط والدكتاتورية، وربما أراد المخرج كونراد فولف، الذي قيل إنه كان يعتنق أفكارا ليبرالية، أن يوجه رسالة مبطنة في هجاء النظام المتسلّط في ألمانيا الشرقية، ففيلمه يتناقض تماما مع تقاليد سينما الواقعية الاشتراكية، فبطله ليس بطلا إيجابيا مستقيما في صلابته، بل يبدو “بورجوازيا” متذبذبا، مستغرقا في المتع الحسية، وصحيح أنه يعترض على ممارسات لجان التفتيش، إلا أنه يؤمن بالكنيسة كمؤسسة دينية، وهو يقبل بدور فنان البلاط ويبتلع كل أنواع الإهانة، لتأكيد ولائه للطبقة لأرستقراطية التي لا ينتمي إليها، فيعجز عن رؤية كيف تتلاعب “الدوقة” بمشاعره.

يجب أن نعرف أن الفيلم صنع بإمكانيات أضخم من أن تقدر عليها ألمانيا الشرقية وحدها في ذلك الوقت فلجأت إلى الإنتاج المشترك مع الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا وبولندا وبلغاريا، وجاء الفيلم في أكثر من نسخة، باستخدام الدوبلاج، بسبب مشاركة عدد من الممثلين من البلدان المشاركة في الإنتاج وفي مقدمتهم الممثل الليتواني دوناتاس بانيونيس، الذي قام بدور “غويا” ببراعة كبيرة وحمل الفيلم على كتفيه، وهو الذي سبق أن تألق في بطولة فيلم “سولاريس″ لتاركوفسكي، وقد توفي بانيونيس عام 2014 عن تسعين عاما.

وتفوقت أمامه الممثلة اليوغسلافية أوليفيرا كاتارينا في دور الدوقة المغوية الساحرة التي تتلاعب به طول الوقت، وقد نجحت في تقمّص الشخصية وأضفت عليها الملامح الأرستقراطية الغامضة، ممزوجة برغبة مجنونة في تجربة الحياة كما يعيشها البسطاء. إنها تذهب معه إلى الحانات والأسواق، وترقص أمام الناس، وتتفاعل بحرارة مع مصارعة الثيران.

مشهد المحاكمة

من أفضل مشاهد الفيلم مشهد محاكمة الخارجين على النظام من وجهة نظر قضاة التفتيش. هذا المشهد يتميز بالدقة والحرفية في تصميم الديكورات والملابس والإكسسوارات، مع اختيار لافت لزوايا التصوير والإضاءة والمونتاج عن طريق القطع في الوقت المناسب بين شخصيات القضاة، ثم ممثل الكنيسة، إلى غويا، إلى المتهمين، إلى حشد الحضور، وهكذا.

أمام حشد كبير من الحاضرين، يقرأ رئيس قضاة التفتيش التهم الموجهة للمتهمين بالهرطقة والخروج على ثوابت الكنيسة بينما يجلس هؤلاء في الصف الأمامي وعلى رؤوسهم “الطراطير” المزركشة بملابسهم الصفراء المترهلة التي تجعلهم يشبهون المهرجين. وعند إلقاء التهم يقف كلّ منهم ويقرّ في مذلة وخضوع بأنه مذنب، ويعلن توبته، ورغم ذلك تصدر عليهم أحكام قاسية بالجلد والسجن.

غويا يصطحب الدوقة المغوية إلى الأسواق

أما المغنية العظيمة “ماريا” فهي ترفض الخضوع، وتقول إنها تغنّي لشعبها وللمستقبل. فيسألها القاضي “ألم يكن الثالوث المقدس يلهمك بما فيه الكفاية؟”، فتقول “إن المستقبل أهمّ من الماضي”. هنا يتدخل الأسقف ليطلب منها أن تغنّي أمام المحكمة فيتصاعد صوتها القوي ويثير القشعريرة في النفوس، تغنّي ويرتفع صوتها ويخرج خارج قاعة المحكمة وينعكس تأثيره على الناس العاديين في الشوارع، وفجأة مع الإحساس بخطورة ما تغنّيه ماريا، يطلب منها الأسقف أن تكفّ عن الغناء.

سيأتي فيما بعد مشهد يتم فيه التحقيق مع غويا بواسطة الأسقف الذي يسأله “ما الهدف الذي تخدمه مثل هذه اللوحات؟ هل تخدم الكنيسة؟”، فيجيب غويا “بل الحقيقة”. فيعود لسؤاله “وهل تتعارض الحقيقة مع الكنيسة؟”، فيجيب (مراوغا وكأنه يسخر) “كلا لأن الكنيسة فوق الحقيقة”. يتذرع غويا بعد ذلك بأنه لا يسمع، فيبدأ الأسقف في كتابة الأسئلة له على أوراق، وتتراكم الأوراق أكواما فوق المنضدة دلالة على مرور الوقت، وعندما ينتهي التحقيق ينهض غويا ويتّجه نحو الباب، وفي إشارة شديدة الذكاء، يوقفه المرافق ويشير إلى باب آخر، وتنتقل اللقطة إلى وجه الأسقف (كلوز أب) فنقرأ عليه شعورا غامضا داخليا بالحقد والقسوة، سرعان ما سيصبح مفهوما، ففي المشهد التالي، نرى غويا ومرافقه من خلال جعله يسير عبر أقبية مظلمة تحت الأرض، تمتلئ بالمحكوم عليهم، وأرجلهم في السلاسل الحديدية ويبدو عليهم الفزع الشديد، وهو مشهد شديد البلاغة وحده.

ينجح كونراد فولف في التعبير عن العصر الذي تدور فيه الأحداث، وفي تجسيد التطوّر الذي يحدث لبطله، ويستخدم الكثير من لوحات غويا في الفيلم، وهي لوحات أعدت خصيصا لمحاكاة اللوحات الأصلية لاستخدامها في التصوير ومنها كثير من رسومه المطبوعة بالأبيض والأسود، نشاهدها أحيانا في سياق طبيعي داخل مشاهد مختلفة، أو في صورة “فلاشات” سريعة على إيقاعات دقات كعوب راقصي الفلامنكو، مع لقطات سريالية تصوّر ما يختلط في ذهن غويا من هلوسات وهواجس مع تصاعد وتيرة القهر في البلاد وتفاقم حالته الصحية. ويتميز الفيلم بشريط صوتي تطغى عليه الموسيقى الشعبية الأسبانية، وحسّ تشكيلي رفيع مع اهتمام بالتكوين واستخدام المرايا والزوايا المرتفعة للكاميرا، وتحريك الكاميرا داخل الديكورات الهائلة أو المواقع الطبيعية، في الساحات العامة، الكنائس، الأسواق، الجبال، القصور الشاهقة، تساهم كلها في خلق عمل ملحمي كبير.

ناقد سينمائي من مصر

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر