الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

فضيلة الموسوي: من إلفة البيت تبدأ فوضى العالم

  • في شاعرية البيت فضاءات حرة للكتابة، خصوصا إذا ما استدعيناه كحالة صوفية تتجاوز المكان الفيزيائي لتتمثّل وعيا بالعالم وبالأصدقاء وبذاكرة الأرض الممتدة من الطين حتى منابت الروح. ضيفتنا الشاعرة فضيلة الموسوي اختارت منطقة كتابها في هذا الحيّز الرمزي لتحاصر من خلاله الفوضى، ولتروّض العالم المتوحّش. “العرب” التقتها في حوار حول تجربتها وعن بعض القضايا الثقافية في البحرين.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/08/23، العدد: 10374، ص(15)]

بحذر أكتب وأخطط وأعيد الكتابة

أصدرت الشاعرة البحرينية فضيلة الموسوي (مواليد 1957)، عن دار مسعى مؤخرا مجموعتها الشعرية الأولى “بيت بفيء الياسمين”، وتعدّ هذه المجموعة متأخرة إذا ما قورنت باسم فضيلة التي كان متوقّعا أنها قد تقدّمت للنشر منذ أمد طويل، لكنها اختارت القراءة والتأمل والكتابة في الظل خلال تلك السنوات لتعود إلى قارئها بخلاصة ما جنته الأيام.

ومن الواضح أن مشروعها الشعري لم ينته عند هذا الإصدار، فهي تشتغل حاليا على مجموعة أخرى مستلة من مشروعها الأول. لكنها ليست متأكدة من طباعته، فربما تذهب بالكتابة إلى منطقة جديدة ومختلفة أيضا.

انعطاف كبير

شكّل البيت وعي فضيلة الموسوي الأول بالأدب وبالكتاب. فالكتاب أول بصيرتها في الحياة، لا سيما كتب والدها الراحل التي تكدّست في رفوف على الأرض واشرأبت إلى السقف بعناوينها المكتوبة بخطه على كعب الكتاب، حيث كانت أول محاولاتها في التهجئة. تقول الموسوي لـ”العرب” مبينة “كان الكتاب في المفهوم المعرفي مقدسا بالنسبة إليّ، كتب الدراسة، الروايات وكل الأشكال الأخرى، ولا سيما دواوين الشعر، وتحديدا الشعر العمودي الذي كنت منحازة إليه تماما، حيث إيقاع القافية هو أكثر ما يطربني، ربما تأثرت بوالدي الشاعر الكلاسيكي الذي كان يؤرخ كل لحظة في حياته شعرا. تعلقت بشعر المتنبي، والأخطل الصغير، والشعر العباسي، وكل ما تقع عيني عليه من شعر بليغ. لكني لم أفكر في الكتابة بذلك الشكل، حيث وجدت الشعر العمودي -المتسيّد في البيت والمدرسة- حسب بحور العروض الفراهيدية وأوزانها ليس بالأمر الهين، إنها دراسة أكاديمية صعبة هكذا تهيّأ لي «هذا الشعر له ناسه هكذا كنت أردد»”.

وتتابع الموسوي عن بواكير تجربتها “في بداية التسعينات كانت الانعطافة الكبيرة في ذائقتي الشعرية، حيث التقيت في العمل، ولأول مرة بالصديق الروائي والسيناريست فريد رمضان؛ لقد تغيرت بدرجة كبيرة من الشعر الكلاسيكي إلى الشعر الحديث وقصيدة النثر الجميلة، ولا سيما حين أعارني رمضان مكتبته الشعرية في وقت تنقله إلى سكن مؤقت، فعكفت أقلب الدواوين وأتفحص العناوين بشغف ولذة”.

في العام 2007 اشتركت فضيلة الموسوي مع الفنان الفوتوغرافي البحريني نزار الحداد في معرضه الشخصي الأول “إيقاع الشعوب”، حيث حضر الحداد بعدسته وحضرت الموسوي بقصائدها، وشكّلت هذه التجربة منطقة مهمة في مسيرتها، حيث عبّرت بشكل تلقائي عمّا تراه في الحياة من أسئلة ملحة، وعن هذه التجربة تقول ضيفتنا “كانت الصور محرضة للكتابة، لأنها تحمل مضامين إنسانية، تعكس ثقافات الشعوب، وعادات الناس المختلفة من كل أنحاء العالم. ولما تدارسنا الموضوع واتفقنا على اختيار الصور وضعتُ له عنوان «إيقاع الشعوب». هذا الإيقاع المتنوع هو فضول الحداد في الاكتشاف ودقته في اقتطاف المشاهد العفوية والحقيقية في حياة الناس؛ طقوسهم، مرحهم، فقرهم وتسكعهم في الشوارع، يومياتهم في هجير الحقول، آمالهم المعلقة على جادة الانتظار، وقناعاتهم الراسخة بحظهم البخيل في الحياة”.

بيت بفيء الياسمين

عن مجموعتها “بيت بفيء الياسمين” تحدثنا الموسوي قائلة “كان الديوان يتشكل في ذاكرتي وعلى الورق، وكنت بحذر أكتب وأخطط وأعيد الكتابة وأعيد التخطيط، أحذف، أمزق، وأكتب، وقد وضعت خطة للعمل، اجتهدت فيها طيلة سنة كاملة، بدأت من منتصف 2014 إلى صيف 2015، كنت أكتب الديوان على مهل، وكانت النصوص تنزل ببطء شديد كحبات الرمل في ساعة رملية، واتبعت هذه السجية التي أخذتني إلى عدة أشكال في تقسيم فصول الديوان، وكلما تكاثرت القصائد تغير الشكل إلى أن رسوت على البناء العام المناسب”.

تقترب لغة الموسوي في المجموعة من الومضات القصصية التي تتيح للقارئ أن يرى المشهد ضمن لوحة فوتوغرافية، يشاهد من خلالها أدق التفاصيل في إطارها اللغوي الشعري. الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل معها حول سبب اختيارها لمنصة الشعر في التعبير عن عوالمها، لا سيما وأنها منطقة مشغولة بهذه التفاصيل.

قصائد كحبات الرمل في الساعة الرملية

تجيب الموسوي “لا أعرف، كنت أحلم أن أكون شاعرة لا قاصة. هكذا ببساطة، مع أنني كتبت قصصا قصيرة. لكني أجد في الشعر السحر والعمق والشهقة والدهشة”، يقول ابن عربي «الوظيفة الأولى للخيال هي التحرش بالمُحال». والشعر تحرش بالخيال والجمال مع تواطؤ الكلمات. الشعر بلاغة موجزة قد تتألف من كلمة أو كلمتين لكنها كافية لتفجير المعنى، والصعق، والمكر والصمت والمفاجأة، وأكثر من ذلك الشعر يختارك لا أنت تختاره”.

المجموعة مسكونة بلغة صوفية رمزية من الداخل “البيت” إلى الخارج “العالم”، وبحسب تعبير غاستون باشلار، فإن البيت كيان مهم لدراسة ألفة المكان التي تعطي الإنسان حالات من البراهين وحتى التوازن. وكأن الموسوي كانت تحاول أن ترتب الفوضى (فوضى العالم/ المشاعر/ الذات والآخر) عبر تنظيم البيت.

تقول شاعرتنا “أتقاطع مع هذا الحنين، في هذه المنطقة من نوستالجيا البيت، وأشعر بأنني موصولة بحنين دائم إلى كينونتي المتمثلة فيه، خصوصا وأنني عشت في أسرة كبيرة زاخرة بالعلم والعطاء، وكأنني معنية بها ومسؤولة عن كل هذا الإرث العائلي الكبير الصاخب في الوجدان. ثمة شوق لا يكف لدخول البيت من ناصية الشعر، والاحتفاء بفتح أبوابه بألق القصيدة التي تليق به. ثمة من البشر من عبر هذا المكان وخلق حياة رائعة وذكريات جميلة تستفز الحرف وأسراره. هذا البيت هو: أحبتي، أبي، أمي، إخوتي، أجدادي، أهلي وجيراني. هو الأنا، هو ضمير المتكلم المتصل بذات الآخر، وبالعالم”.

ترى الموسوي أن “الشعر ليس مقيدا بموضوع واحد، الشعر فضاء عام وكبير يحتمل أن يسبر كل المواضيع؛ هناك شعر عاطفي، وجودي، فلسفي، صوفي، ذاتي، وطني وغيره. ليس خطأ أن نلتفت إلى الخاص، فمن فهم الذات نفهم العالم، من فهمي لنفسي أفهم الآخر”. يقول قاسم حداد «إن الانشغال الحميم والعشق العميق للغة هما مهمة الشاعر بالدرجة الأولى. أما المواضيع والمضامين فهي التي لا ينبغي الاكتراث بها أو القلق بشأنها».

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر