الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

من يقتل الحقيقة الإعلامية

على الساحة اللبنانية مازال السجال مستمرا حول الفراغ الرئاسي وكلّ فريق يضع أمام الرأي العام أسبابه وأن سبب الفوضى اللبنانية في اتخاذ القرار هو الطرف الخصم.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/08/23، العدد: 10374، ص(18)]

تحفل الحياة السياسية بالصراعات بين الأحزاب ورجالاتها وبين خصومهم ومنافسيهم. وكان الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي علامة فارقة والمثال الأقرب الذي أظهر إعلاما يلاحق كل الأطراف المختلفة في أمر الخروج ما بين مع وضد حتّى أن الجمهور كان قد اصطف مع صحافة الطرفين ووجد فيها ضالّته وصار يعلّق بما يحلو له ليثبت للطرف الآخر صحة قراره.

لوحدها هذه القصة بالإمكان إن تُدرَّس كحالة إعلامية مميزة تكشف عن تشظي الإعلام واقتفائه لأثر شبكات المصالح وتناغمه أو مشاكسته للساسة.

في العراق ظهر مؤخرا فريقان، مع وزير الدفاع أو مع خصومه في صراع يتعلق بملفات الفساد. الطرفان يقولان إنهما يمتلكان أدلة ويسوّقان لمواقف ضد بعضهما البعض. الحماسة انتقلت إلى الإعلام ورفعت من درجة سخونة المشهد الإعلامي، وتاليا انقسم الرأي العام ما بين مؤيد ومعارض للطرفين المتناحرين وكلٌّ يهدد ويتوعد بأن الحقائق ستظهر وسيُدان هؤلاء أو أولئك، فيما الرأي العام يتطلع إلى النتائج المنتظرة للقصاص من الخصوم.

على الساحة اللبنانية مازال السجال مستمرا حول الفراغ الرئاسي وكلّ فريق يضع أمام الرأي العام أسبابه وأن سبب الفوضى اللبنانية في اتخاذ القرار هو الطرف الخصم، ما بين قوى 14 آذار و8 آذار وأنصار حزب الله وتيار المستقبل وغيرهم، والرأي العام ماضٍ في تتبع ذلك السجال منذ سنوات وتاليا الدخول في دائرة الاستقطابات السياسية.

هذه الحصيلة تستوجب عرض الحقائق كاملة أمام الشعب لكي يتحمّل كامل مسؤولياته.

التاريخ الإعلامي كان يعيب على الحكومات إدخال الشعوب في هذه البلبلة، ما عُرف بنظرية السلطة ظل سائدا لعقود، من منطلق أن “الحقيقة الكاملة” لا ينبغي أن تكون برسم الشعب لأنه غير مؤهّل للتعاطي معها، وبالتالي فمن واجب الحكومات أن تحتكر لنفسها الحقيقة الإعلامية وأن تسوّق لنفسها ولسياسييها عبر فحوى إعلامي لا يتيح تلك المشاركة التي ستفضي حتما إلى الفوضى.

يوما ما أطلّ هتلر على جمهوره قائلا “إنه ليس من عمل الصحافة أن تنشر على الناس اختلاف الآراء بين أعضاء الحكومة، لقد تخلصنا من مفهوم الحرية السياسية الذي يذهب إلى القول إن لكل فرد الحق في أن يقول ما يشاء”.

ليس بعيدا عن هذا المنطق سارت الدكتاتوريات والحكومات العائلية، فأفرغت الإعلام من وظائفه واكتفى بوظيفته الواحدة والوحيدة ألا وهي تمجيد النظام السياسي والترويج لبقائه الأزلي وصولا إلى تمجيد الطغاة وتهميش وظيفة وأهمية الرأي العام “غير الراشد” ذي “الرؤية القاصرة” وتاليا قتل الحقيقة الإعلامية.

امتلاك الحقيقة الإعلامية كان ولا يزال يشكل تحديا أساسيا وعميقا وصار يخلق مناخا للجدل والمنافسة وكسب النقاط خاصة في أوساط السياسيين بل صارت بعض المنابر الإعلامية حذرة أو مصابة بالهلع في بعض الأحيان من الخوض في السجالات السياسية التي يناقض بعضها بعضا خوفا من انتقام السياسيين أو غضبهم وصولا إلى اللجوء إلى القضاء للاقتصاص من الخصوم وبمن فيهم الخصوم الإعلاميين، فيما ستبقى الحقيقة الإعلامية هي الضحية.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر