الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

خطورة الاستيقاظ بعد ظهر العمر أو التاريخ

من العبث تصديق أسطورة التبشير بالديمقراطية، على طريقة جورج بوش الابن. كان نابليون أكثر حكمة بالتقرب إلى المصريين عبر إبداء الاحترام للدين الإسلامي، والتمهل في تنفيذ خططه الاستعمارية.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/08/23، العدد: 10374، ص(9)]

أتاح الاستيقاظ المبكر لأغلب شعوب الشرق أن تؤسس ثقافاتها وتبني حضاراتها على مهل. أما الولايات المتحدة فاستيقظت بعد ظهر التاريخ، وأدركت اقتراب النهاية، فمسّها سعار لا يختلف إلا في الدرجة عما يصيب أفرادا أفنوا أعمارهم في ما قدّر لهم، كلّ بحسب قدراته، ثم يسعون في خريف الأعمار إلى تدارك ما لم تحملهم إليه المواهب، بالإصرار على صراخ لا يكلف شيئا، وإن كان يمنحهم أوهام التميّز.

من العبث تصديق أسطورة التبشير بالديمقراطية، على طريقة جورج بوش الابن. كان نابليون أكثر حكمة بالتقرب إلى المصريين عبر إبداء الاحترام للدين الإسلامي، والتمهل في تنفيذ خططه الاستعمارية. ولكن بوش لا يملك ترف التمهل لخضوعه إلى توقيت الاستيقاظ الأميركي المتأخر، ويريد الإسراع إلى جني ثمرة أنضج مثلها احتلاليون عتاة عبر زمن، ففي لحظة صدق، لخص مجمل التاريخ الأميركي قائلا إن الحملة العسكرية على أفغانستان والعراق “حرب صليبية جديدة”. لم يزل لسان بوش وهو يشيد بجنود كنديين سارعوا للالتحاق بالقوات الأميركية “وقفوا إلى جانبنا في هذه الحملة الصليبية المهمة للدفاع عن الحرية”. ورغم الخسائر البشرية في صفوف الجيش الأميركي بعد غزو العراق عام 2003 إلا أن الشعب الأميركي، في العام التالي، أعاد انتخابه لفترة ثانية.

في يونيو 2002 قرر قاضيان في هيئة قضائية من ثلاثة قضاة بمحكمة استئناف في سان فرانسيسكو أن جملة “في رعاية الله” في عهد الولاء انتهاك للفصل بين الكنيسة والدولة، وأنها تشكل “اعتمادا للدين ومهنة للمعتقد الديني”، وأن قانون الكونغرس لعام 1954 الذي أضافها إلى العهد غير دستوري. سجل هذه الواقعة صامويل هنتنجتون في كتابه “من نحن؟”، مضيفا أن قرار المحكمة أعاد بحدة طرح السؤال: هل أميركا أمة مسيحية؟ وتقول الإحصاءات “نعم” بنسبة تتراوح بين 80 و85 بالمئة. وقال إن الأميركيين عبر تاريخهم كانوا “شديدي التدين ومسيحيين بقوة.. وإن المستوطنين في القرن السابع عشر قد أسسوا مجتمعاتهم في أميركا لأسباب دينية… لعب الكتاب المقدس دورا في تشكيل الثقافة بشكل لا مثيل أوروبيا له… كانت هناك حرب بين الذين اختارهم الله وأعداء المسيح من البريطانيين”.

لا تتسق الديمقراطية الأميركية المعلنة مع رعاية الولايات المتحدة دكتاتوريات عسكرية وأنظمة طائفية وقبلية، وصناعة منظمات لا تنتمي إلى الحداثة. في كتابها “صورة لمصر.. رحلة في عالم الجماعات الإسلامية المتشددة.. صورة جديدة لأسامة بن لادن” تقول الأميركية ماري آن ويفر إن وكالة المخابرات المركزية وفرت بنية تحتية وتدريبا ومعدات أدت إلى “مولد القاعدة”.

التبشير بالديمقراطية الأميركية بحث عن دور بعد انتهاء الأدوار التاريخية الكبرى: الاكتشافات الجغرافية، والأفكار والفلسفات، والرجال أيضا. وفي حالة الأفراد، فإن من يسميهم الاصطلاح الشعبي المصري “ساقطي قيد” يلحّون على تعويض ما فاتهم، وأغلبهم من المتوسطين الذين لم يحققوا إنجازا يضمن لهم الوجاهة. قبل ثورة 25 يناير كانت الثقافة بابا لملء فراغ نفسي. في 22 ديسمبر 2002 كتبت في “العربي” الناصري مقالا عنوانه “خطورة أن تشتغل بالفكر بعد الظهر”، عن خبير في الإدارة كان يشغل منصبا مرموقا في شركة أميركية للنفط، وهو غزير الكتابة في كل الفنون: الأوبرا والموسيقى والشعر، ويفخر بما لديه من مقتنيات ويوزع سيرة ذاتية حافلة بجوائز لم نسمع بها، ومحاضرات في جامعات، وكتب ترجمت له أو ألفها بالإنكليزية للخواجات، فهو “مفكر ومؤلف وخبير استراتيجي”. قابلته مرة واحدة فأسمعني من الذاكرة شعرا لعباس العقاد ونزار قباني وأحمد فؤاد نجم، وذكر أشخاصا لهم علاقة بالتطبيع مع العدو الصهيوني، فتوقف معلقا على رد فعل قرأه في ملامحي وقال “أنت طبعا ترفض هذا”.

من حسنات الثورة زوال مثل هذا النموذج، وإن برزت نماذج يمكن اعتبارها حوادث سير ثورية، وتشمل خليطا من ضحايا الكبت في عهد حسني مبارك، وممن عملوا طويلا في الخليج وخضعوا لإكراهات الكفيل. وبعد “جمعة الغضب” انهار حاجز الخوف وتعالى الصخب، وهذا مكسب مهمّ. ولكن الجرأة على الفتوى بغير علم تنزع الجدية والتعاطف مع الصراخ، ويصير الأمر مزايدة على من يعلو صوته أكثر، ولا يهم مضمون الكلام. في الدين يتأنى العالم الحق قبل الإجابة عن سؤال، ثم يتبع اجتهاده قائلا “والله أعلم”، وسيعيش طه حسين عمرا أطول من العقاد؛ لأنه لم يكن يملك الثقة والصرامة واليقين الذي يعلنه العقاد. وحين أجد كاتبا يبدأ مقاله “لا شك”، “لا بد”، “لا يختلف اثنان على”، فإنني أنصرف عنه فورا. وحاليا تتعثر العين في ركام من الفتاوى للشخص نفسه في الاقتصاد والتعليم والعلاقات الدولية تنتقد بثقة الجميع، من مبارك إلى محمد مرسي وعبدالفتاح السيسي، بعد أن صار الانتقاد غير مدفوع الثمن، صخبا يطيل عمر الدكتاتورية؛ لأن الجاد يضيع وسط هتافات يطلقها الذين لم يكتبوا كلمة في عهد مبارك، ولعلهم أربعة أصناف: مستفيد من رجال مبارك ويود التطهر من دون اعتذار، لا مبال، منخرط في تخصصه ويجهل حقائق عصره، وخائف حررته “جمعة الغضب”.

وإذا كانت أميركا وهي تحرق المراحل يصدق عليها القول إنها “الدولة الوحيدة التي انتقلت من الهمجية إلى الانحلال دون أن تمر بالحضارة”، فإن الذين يحلوا لهم الحج بعد عودة الحجيج ربما كانوا معنيين بقول جورج ديهاميل، قبل 80 عاما، إن “شهوة السياسة” لذة الفقير؛ لأنها لا تكلف شيئا فهي غنيمة طيبة للنفوس الخاوية”.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر