الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الخطايا الثلاث لحزب التحرير التونسي وسفر الخروج من الزمان

  • حزب التحرير التونسي الذي يواجه تهما تتعلّق بتحريضه على الإرهاب، هو نموذج لفكر متشدد يسكن خارج التاريخ والجغرافيا، ويتشبث بوهم الخلافة في دولة لا يؤمن بها ولا بمؤسساتها أصلا، ولم يقدم أي مقترح لحل الأزمات القائمة سوى المزايدات على أطروحات غيره، متجاهلا خصوصية المجتمع التونسي.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/08/24، العدد: 10375، ص(13)]

يظهر علم تونس بعيدا وبالمصادفة فوق رايات حزب التحرير

قرار القضاء التونسي بتعليق نشاط حزب التحرير لمدّة شهر، لا يعبّر عن مشكلة دفينة تجترحها الدولة ضد الحزب، بقدر ما هي معضلة الحزب مع الدولة، كفكرة ومؤسسات.

اختار الحزب لنفسه منزلة ما بين أربع منازل: ما بين منظومة الحكم وفلسفة المعارضة، ما بين الدولة والجماعة، ما بين القُطرية والأمّة، وما بين “مقولتي الرفض والتلبس” بديباجة الخلافة وعناوين السلطة الفردية تحت مسمّى الخليفة الراشد. كان الحزب ولا يزال خارج منظومة الإبرام الفكري للعصر الممهور بالقرن الحادي والعشرين، حيث الديمقراطية تشكل أفضل الإنجازات الفكرية للحكم الجماعي بين مقولتي “الانتخاب الشعبي” و”المراقبة التمثيلية”.

وفي الوقت الذي بدأت فيه المقاربات الفلسفية لجزء معتبر من المظلة السياسية العربية من اليسار إلى القوميين، تطوّع رؤاها وأفكارها ضمن سياق الدمقرطة، وعلى اعتبار أنّ البقاء خارج السياق هو فناء في اللاحق وذوبان في السابق، أجّل القوميون العرب بمختلف ألوانهم نموذج الوحدة العربية إلى حين الانتصار في الحروب الفكرية والسياسية والثقافية داخل الأقطار ضدّ فكر التجزئة, وعلّق اليسار مقولة حكم البروليتاريا، تكريسا لفكرة العدالة الاجتماعية والكرامة الاقتصادية، واستدركت الٍرأسمالية الوطنية تصوراتها عن الليبرالية المتوحشة نحو فتح آفاق أرحب للعمل النقابي.

في المقابل، كان الحزب يؤصل لمقولة “الخلافة” العابرة للأقطار في عالم عربي، يجزّأ بالمسطرة ويقسّمه الاستيطان الاحتلالي على شكل كنتونات ومربعات نصفها سلطة ونصفها الآخر كيان هجين من ميليشيات تنتعش من خراج الإرهاب والتهريب. القارئ البسيط لما يسمّى بـ”الدستور” الذي اجترحه حزب التحرير، يدرك أنّ الحزب يعيش غربة المكان والزمان والإنسان واللسان أيضا، ولئن مثلت مياسم التشابك الأنثروبولوجي والتشبيك الرمزي الثقافي والإثني، صلب مقومي العروبة والإسلام، فإنّ ضرب ملامح الخصوصية الجغرافية والفكرية والنفسية للمجتمع التونسي، وللتراكمية المعرفية والحضارية المحلية عرض الحائط، يجعل من تمثّل حزب التحرير لتونس تمثلا هامشيا، يضع البلاد والعباد خارج إطار الفعل والتأصيل، وهو ما يتقاطع مع نفس مقولات الاستعمار والاحتلال من حيث يدري أو لا يدري.

طيلة أربع سنوات كاملة، اختار الحزب الاختفاء وراء مقولة “الخلافة” لتبرير غيابه عن الحضور الفعلي في المجال العام، سواء بفعل المراقبة والمتابعة أو التقييم والرصد للأداء السياسي للفاعل التنفيذي والتشريعي. وبغض النظر عن الأصل الفكري والفقهي لعنوان “الخليفة” و”الخلافة”، فإنّ التحرير لم تعرف له أي مقاربة اقتصادية للخروج بالبلاد من أزمة المديونية أو مقاربة سوسيولوجية لتحقيق العدالة الاجتماعية، ذلك أنّ كل المدونة الإعلامية الصادرة في الشأن لا تخرج عن سياق المزايدة السياسية.

حزب التحرير لم تعرف له أي مقاربة اقتصادية لتحقيق العدالة الاجتماعية، ولا يخرج عن سياق المزايدة السياسية

المفارقة الأكثر إيلاما أنّ الحزب الذي يتمكن في بعض المحطات من تفكيك المشهد الاقتصادي في تونس، واستقبال الواقع التعيس بسياسة الإقراض والمقايضة مع المانحين الدوليين الكبار، سرعان ما يشفع صحة القراءة باضطراب البدائل وتشويش الحلول وعجزها عن الإقناع ضمن إكراهات الواقع وحتميات الراهن، ناهيك عن التكريس على الميدان.

تصريحات مسؤولي الحزب عن حملة يقودها مسؤولون في الحكومة وضمن أجهزة الدولة لحلّ الحزب استعدادا لرهن البلاد، نتفهمها ولا نفهمها، فالحزب الذي يضع نفسه في منأى عن الدولة وبعيدا عن خيارات الشعب في الديمقراطية وصياغة الدستور وحماية الإنجازات الاجتماعية، لا يمكنه أن يصوّر نفسه كمدافع عن المنشآت العمومية وعن فكرة الدولة الراعية.

فوّت التنظيم السياسي على نفسه ثلاث فرص تاريخية كان بالإمكان أن تطبعه مع الواقع وأن تطبع الواقع معه: الأولى كامنة في استثمار “التونسة” كمعطى ثقافي حقيقي للقطع مع كينونة “الفرع” من أصل سياسي في فلسطين المحتلة، والذي لا يزال التنظيم يتغنّى بتبعيته التنظيمية له.

الفرصة الثانية تتمثل في توظيف سياق المراجعات الفكرية العميقة الذي دخلته كافة الحساسيات السياسية في تونس، حيث أنّ أحداث 14 يناير 2011 التي فاجأت الجميع، ألقت بظلالها على منظومة الرفض والتصعيد في الخطاب والممارسة صلب الأحزاب، ممّا فرض عليها تغييرا هيكليا يستجيب لمتطلبات المرحلة، ولضروريات التحوير والتطوير في صلب الإطار العام للتنظيمات السياسية.

أمّا الثالثة ففي الاستفادة من سياق محاربة الإرهاب والتطرف في البلاد، ومناكفة الرؤى الظلامية عبر تثوير في المدونة الفكرية والفقهية والإعلامية للحركة، تؤصل من خلالها الفروق مع التنظيمات السلفية التكفيرية، وتساهم في المجهود الرمزي لمحاربة الإرهاب، لا أن تزيد من وطأته عبر التقاطع معه في مقولات الخلافة والتشكيك في الروايات الرسمية عن محاربة الإرهاب، واختلاق قصص ثانوية رديفة هجينة عن “كذبة الإرهاب”.

طريقان أمام “التحرير” لا ثالث لهما: إما أن يتحوّل إلى حزب حقيقي في دولة مؤسسات سائرة نحو الديمقراطية، وهو ما يفرض عليه تنازلات لصالحه أولا ولصالح مستقبله ثانيا، وإما أن يبقى على تلك الشاكلة؛ كيانا سياسيا هجينا شبه جماعة شبه تنظيم سياسي بعيدا عن روح المكان وجوهر الزمان وكينونة الإنسان.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر