السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

الرواية والموت

الموت الزاحف شيئا فشيئا يصير هو الحقيقة الحياتية، الوحيدة، التي تمتلك معنى قدسيا، يُكسب المحيط دلالاته الإنسانية، ويبدد الشعور الضاغط بالعقم واللاجدوى.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/08/24، العدد: 10375، ص(15)]

لا ينفصل الموت عن كونه “حدا” لوجود ما، إلا ليعانق إطلاقه ورمزيته. لا ينتهي من إيهامه بالنهاية إلا ليولد تمثيلاته، وصوره، وجمالياته الذهنية والتخييلية. من هنا، قد يكون الموت خاتمة بمعنى ما، بيد أنه حياة في محيط وقوعه. ومنطلق لأشكال شديدة التعقيد من الخطابات والأنساق السجالية، التي لا تعوزها البلاغة وقوة التأثير.

بالطبع فإن نهاية الأشخاص، وسقوطهم في لحظة من لحظات الزمن، وفي جغرافيا إنسانية بعينها، لا تفتقر، بحد ذاتها، إلى الوقع والقدرة على إثارة الخيال. فالموت درامي في جوهره؛ إنما الذي ينفذ تلك الدرامية، ويمنحها جمالية مميزة، هو قدرة الآخرين، الأحياء، على تشغيل رمزية الموت، وشحنه بمعاني حياتهم، “هم”، وجعله مرتكزا في “بلاغتهم”، وقدرتهم على الإقناع.

غياب الفرد -إذن- نهاية له وحده، ولكنه فرصة استثنائية للتخييل وإنتاج الصور. فهو رفع للحرج الفكري والأسلوبي، وجسر للهوة بين الضرورة والحرية. في رواية “هذيان: أيام فرناندو بيسوا الثلاثة الأخيرة”، للكاتب الإيطالي أنطونيو تابوكي، ثمة حدث الفقد المركزي للشاعر الشهير، وثمة محكية الموت الروائي. تدور أحداث الرواية بين حجرة الفندق، حيث اشتد المرض على الشاعر، وغرفة المستشفى حيث سيقضي.

وما بينهما حياة رمزية مقطرة، كثيفة الظلال، تشكل سردية شفافة لتفاصيل المغادرة النهائية. والحوار الذي يجري في الحلم بين ميت (حقيقي) وآخر (افتراضي)، رمزي بكل معانيه؛ صوت متجانس يوحد الذات ببديلها الصوري، ويمزج الأرواح الشعرية. ولما أن الشعرية سيرٌ بالكلمات إلى نهايتها /خلودها، ووجود لفظي، لا ينهض من نسيج نصي إلا لينغرس في نسيج مغاير، فهي قرينة الموت والولادة؛ ولذلك فهي أشبه ما تكون بذوات الشعراء أنفسهم: قيم ومواقف، وأحاسيس، ولوعات، تتناسخ عبر العشرات من الأجساد والأسماء والتجارب.

تلك كانت أبلغ رسالة في رواية الأيام الثلاثة الأخيرة للشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا، كما تخيّلها وأعاد تشكيلها الروائي الإيطالي أنطونيو تابوكي. رواية تفلح إلى حد كبير في استبطان الموت، وكشف القيم والأحاسيس المتقاطبة التي تتفجر بين البدايات والنهايات، بين الذوات (المغادرة) والآخرين (الباقين)، فتنقلب معها المعاني والرؤى المقترنة بالزمن والفضاء والذاكرة والتفصيل اليومي.

ويصير الموت الزاحف شيئا فشيئا هو الحقيقة الحياتية، الوحيدة، التي تمتلك معنى قدسيا، يُكسب المحيط دلالاته الإنسانية، ويبدد الشعور الضاغط بالعقم واللاجدوى. رواية تجعل القارئ يتحسر على العشرات من النصوص المفتقدة التي كان بالإمكان أن تجعل الفناء العضوي، المستشري حولنا، منفذا إلى عالم تخييلي واسع، يعيد طرح الأسئلة الوجودية الخالدة عن الموت والحب والحرية.. والتعبير الفني.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر