الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

في تذكر فيلسوف ساخر

كان الميهي يميل بطبعه، إلى السخرية، وكانت تغويه فكرة مدّ تجربته الناجحة في “الأفوكاتو”، على استقامتها، ليقدم سلسلة من الأفلام اعتمدت في معظمها، على تناقضات الحياة الزوجية.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/08/24، العدد: 10375، ص(16)]

قبل عام رحل المخرج السينمائي رأفت الميهي بعد معاناة طويلة مع المرض، وكان قد توقف عن الإخراج السينمائي وتفرغ لإدارة مشروع مدرسة السينما التي كانت تجربة رائدة في هذا المجال بمصر.

كان رأفت الميهي الذي عرفته واقتربت منه، منذ وقت مبكر في منتصف السبعينات، أحد أكثر السينمائيين المصريين الذين عرفتهم، ثقافة وذكاء، وقد جاء إلى السينما من عالم الأدب الإنكليزي والفلسفة، وكانت نظرته إلى السينما نظرة مثقف مهموم بقضايا المجتمع، وقد درس السيناريو ثم التحق مبكرا بالعمل في قسم قراءة السيناريوهات بشركة “فليمنتاج” التابعة للدولة عام 1964، ثم مضى ليصبح واحدا من أهم كتاب السيناريو في تاريخ السينما المصرية.

كتب رأفت الميهي سيناريو فيلم “جفت الأمطار” (1967) الذي أخرجه سيد عيسى بعد عودته من دراسة السينما في موسكو، ويعتبر الفيلم حتى يومنا هذا إحدى التحف الكلاسيكية، ثم تعاون مع المخرج الكبير كمال الشيخ في كتابة السيناريو لما يمكن اعتباره أهمّ أفلام هذا المخرج الكبير الذي ظلم في فترة طغيان الاهتمام السياسي بسياسة عبدالناصر (الاشتراكية) ولم يكن الشيخ من المتحمسين لها.

قدم الميهي مع كمال الشيخ “غروب وشروق” و”شيء في صدري” و”الهارب” و”على من نطلق الرصاص”، بل وكان كما أعرف، “الكاتب الخفي” وراء فيلم “الصعود إلى الهاوية” الذي يحمل اسم صالح مرسي كاتب القصة من واقع سجلات المخابرات، ولكن الميهي لم يقبل بوجوده ككاتب سيناريو مرموق، رغم ما كانت تحققه الأفلام التي كتبها من نجاح كبير، بل كان يتطلع إلى ممارسة الإخراج السينمائي.

لا أعرف شخصيا كيف أمكن لرأفت الميهي، ذلك الشاب الثائر في زمانه، الذي كان يحمل من البداية بذور التمرد على السائد، أن يستقر لفترة طويلة في العمل مع المخرج كمال الشيخ الذي عرف بأفكاره المحافظة وهدوئه وصمته، وكان يفضل العزلة، والانكباب على عمله، يدقق فيه، ويختار بعناية كل لقطة ومشهد، وهو الذي جاء أصلا من المونتاج السينمائي الذي مارسه لسنوات قبل أن ينتقل إلى الإخراج.

كان الميهي في الثامنة والعشرين من عمره عندما تزعم جماعة “السينما الجديدة” التي رفعت شعارات الثورة على السينما التقليدية العتيقة بعد هزيمة يونيو 1967، وقد ساهم في تأسيس الجماعة، وأصبح رئيسها، وهي الجماعة التي ضمت الكثير ممن أصبحوا في ما بعد من نجوم الإخراج والسيناريو والنقد أيضا، لكن هذه الحركة لم تصمد طويلا بعد تغير النظام السياسي ونهاية تدخل الدولة في الإنتاج السينمائي.

وقد اتجه رأفت بعد ذلك ليكتب ويخرج أول أفلامه “عيون لا تنام” (1981) الذي اقتبسه عن مسرحية “رغبة تحت شجرة الدردار” ليوجين أونيل، ثم تبعه بفيلم “الأفوكاتو” (1983) الذي قام ببطولته عادل إمام، وكان أول فيلم ينتقد بقسوة الفساد في أوساط القضاء بمصر، مما خلق له كمنتج للفيلم أيضا، مشاكل قضائية.

أما فيلم “للحب قصة أخيرة” (1986) ففيه يقطع الميهي خطوة أبعد نحو السينما الفلسفية، التي تبحث في علاقة الإنسان بالموت، من خلال نظرته إلى الحياة وعلاقته بالحب، ولعله أحد الأفلام المصرية القليلة (مع “السقا مات” لصلاح أبوسيف) التي تناولت الموضوع بنظرة فلسفية.

كان الميهي يميل بطبعه، إلى السخرية، وكانت تغويه فكرة مدّ تجربته الناجحة في “الأفوكاتو”، على استقامتها، ليقدم سلسلة من الأفلام (عشرة أفلام) اعتمدت في معظمها، على تناقضات الحياة الزوجية، ويمكن وصفها بـ”كوميديا الأماكن المحدودة”، ووضعها في سياق أقرب إلى المسرح، مع غلبة الحوار عليها.

لقد كان يريد أن يستوحي من تجربة وودي ألين التي كانت تعتمد على السخرية والضحك الذي ينتج عن مفارقات الحياة اليومية، لكن التجربة لم تنجح بسبب اعتياد الجمهور في مصر على نوعية مختلفة من الكوميديا. ستظل أعمال رأفت الميهي بعد أن أغلقت الصفحة، مجالا مفتوحا للبحث والدراسة من أجل وضعها في سياقها الصحيح.

ناقد سينمائي مصري مقيم في لندن

أمير العمري

:: مقالات أخرى لـ أمير العمري

أمير العمري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر