الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الوضع الذي نستحق

الخطاب الديمقراطي أضحى غطاء لممارسات تتناقض تماما مع مصالح الدول والمجتمعات، وإلّا كيف نصنّف المثقف الذي يخشى من التعبير عن حقيقة مواقفه خوفا من ردة فعل المتعصبين من أبناء بلده.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/08/24، العدد: 10375، ص(24)]

يبدو أن برنارد شو كان صادقا جدا عندما قال إن الديمقراطية هي جهاز يضمن عدم عيشنا أفضل مما نستحق، وهذا ما اكتشفته شعوبنا العربية التي طالما رقصت على شعارات ربيع النكبة، وانتظرت أن تُفتح أمامها أبواب الثراء دون شقاء والأخذ دون عطاء، والنجاح دون عناء، على أساس أن الأنظمة السابقة كانت رجسا من عمل الشيطان، وكانت تحتكر السلطة والثروة والسلاح، بينما الأنظمة الجديدة ستفتح بوابة السماء بالدعوات الصالحات، وتضرب الأرض بعصي الديمقراطية فتخرج منها قناطير مقنطرة من الذهب والفضة، وبراميل مبرملة من النفط والغاز، وبساتين مبستنة من الموز والتفاح تجري من تحتها أنهار الماء القراح.

ولكن بعد أن طارت السكرة وجاءت الفكرة كما يقال، تبيّن أن الأوضاع تراجعت كثيرا إلى الوراء وبلغت ما قبل الدولة الوطنية، بعد أن باتت الديمقراطية أداة نصب على الشعب، ووسيلة تقاسم للسلطة بين أصحاب النفوذ المالي والإعلامي وجماعات اللوبيات وقادة الميليشيات.

كما تأكد أن الخطاب الديمقراطي أضحى غطاء لممارسات تتناقض تماما مع مصالح الدول والمجتمعات، وإلّا كيف نصنّف المثقف الذي يخشى من التعبير عن حقيقة مواقفه خوفا من ردة فعل المتعصبين من أبناء بلده ويتحدث عن الديمقراطية، والمواطن الذي لا يجدّ ولا يكدّ ولا يجتهد ولا ينتج ويتحدث عن الديمقراطية، والناشط السياسي الذي يتاجر بالشعارات ويحترف الرقص على مآسي قومه، والمتآمر على وطنه من وراء الستار أو تحت الطاولة، ولا يرى مانعا من أن يكون عنيفا أو دمويا في سبيل الحصول على نصيبه من كعكة السلطة، والإعلامي الذي يقبض مقابل مواقفه ويتحالف مع الشيطان من أجل مصلحته الشخصية أو الحزبية ويتحدث عن الديمقراطية، والميليشيوي الذي يرفع السلاح ولا يرى مانعا من سفك دماء الأبرياء أو تعذيب من أوقعه الحظ التعيس أسيرا لديه، وصاحب العقيدة الشمولية الذي يعتقد أنه يمتلك كل الحقيقة وكل القدرة على تصنيف البشر بين صالحين مرضيّ عنهم وطالحين مغضوب عليهم، والذي لا يحترم إشارة المرور ولا يدفع الآداءات ولا يقوم بواجبه في تنظيف محيطه ويتحدث عن الديمقراطية، ومحترف الخيانة الذي يتاجر بكل شيء بما في ذاك الوطن وترابه وسيادته ووحدة شعبه ويتحدث عن الديمقراطية؟

إن هؤلاء وغيرهم يثبتون يوميا أن الديمقراطية ليست مصلا يباع في الصيدليات، ولا وجبة غذائية في مطعم أميركي، ولا بدلة فاخرة مستوردة من فرنسا، ولا حتى سيارة مصنعة في ألمانيا، وإنما هي مسألة مختلفة تماما، ترتبط أساسا بجوهر الثقافة وخلاصة التاريخ وبالبيئة الحضارية وتقاليد المجتمع المتوارثة، وبالميل الفطري للإقصاء المرتبط بميل فطري للكسل والعزوف عن العمل وبعقل لا يعطي للحياة بعضا من الأهمية التي يعطيها للآخرة، ولا يحترم إرادة الفرد أو المجموعة بقدر ما يحدد قدراتها وخطواتها بالمشيئة والقضاء والقدر.

الديمقراطية لا تعطينا أفضل مما نستحق، قالها برنارد شو، وتبينت صدقيتها، لذلك نجد أنفسنا في الوضع الذي نستحقه منذ اقتنعنا أن الديمقراطية ستغيّر ما بنا دون أن نغيّر ما بأنفسنا.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر