الثلاثاء 24 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10522

الثلاثاء 24 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10522

فيلم 'فاطمة' استبق التداعيات الصاخبة التي تشهدها فرنسا

  • كانت مفاجأة أدهشت الكثيرين عندما فاز الفيلم الفرنسي “فاطمة” للمخرج فيليب فوكون، بجائزة أحسن فيلم في مسابقة “سيزار” للأفلام الفرنسية التي تقام سنويا على غرار مسابقة “الأوسكار” الأميركية، متفوقا على عدد من أفضل ما أنتج في فرنسا من أفلام في 2015 مثل “مرغريت” للمخرج جافييه جيانوللي الذي أعاد المخرج البريطاني ستيفن فريرز مؤخرا إخراجه في فيلم أميركي يحمل اسما طويلا لا أراه مناسبا، هو “فلورنس فوستر جنكيز” ومن بطولة ميريل ستريب التي تقوم بدور امرأة أرستقراطية فرنسية تريد أن تصبح مغنية أوبرا رغم صوتها القبيح، وقد سبق تناوله بالنقد والتحليل على صفحة السينما بـ”العرب”.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/08/26، العدد: 10377، ص(16)]

ثريا زروال ممثلة لا تمثل

حين فاز الفيلم الفرنسي “فاطمة” للمخرج فيليب فوكون بجائزة أحسن فيلم في مسابقة “سيزار” للأفلام الفرنسية تفوق على “ديبان” لجاك أوديار، الحاصل على السعفة الذهبية في مهرجان كان 2015، وعلى “أيامي الذهبية” لأرنولد ديسبلاشن، و”موستانج” للمخرج الفرنسي من أصل تركي، دينيس إرغوفين، وهو عمل بديع عن انتهاك الطفولة وقسوة التربية المتزمتة في الريف التركي ومضاعفاتها، كما حصل “فاطمة” على جائزة أحسن سيناريو (مقتبس عن أصل أدبي)، وأحسن ممثلة ناشئة (زيتا حنروت).

ولا شك أن وراء الفوز بالجوائز الثلاث، المستوى الفني المتميز للفيلم البديع، البسيط في منهجه ولغته السينمائية، الذي يتبع مخرجه فوكون، طريقة البناء بالتراكم، أي عرض الموضوع والشخصيات من خلال تطور علاقتها ببعضها البعض وبالواقع الاجتماعي من حولها، وليس من خلال دراما صاعدة نحو ذروة ما، فهو يحرص على الانسياق وراء المبالغات في تصوير المشاعر، رغم أن طبيعة الموضوع قد تغري بالوقوع في ذلك، بدليل أننا لا نشاهد أبدا المرأة-الأم، وهي تحتضن ابنتها أو تذرف الدموع، في أي مشهد من مشاهد الفيلم.

صلاة إلى القمر

يعتمد سيناريو الفيلم على كتاب بعنوان “صلاة إلى القمر”، يضم مجموعة من الخواطر والأشعار التي دونتها سيدة جزائرية هاجرت إلى فرنسا، هي فاطمة الأيوبي، عن تجربتها في المهجر، ومعاناتها من أجل تربية ابنتيها بعد انفصالها عن زوجها.

تعمل فاطمة، وهي امرأة في أواخر الأربعينات، في تنظيف منازل أسر الطبقة الوسطى الفرنسية، وكذلك عاملة نظافة بأحد المصانع في مدينة ليون، وهي التي جاءت منذ سنوات إلى فرنسا ثم انفصلت عن زوجها الذي تزوج بامرأة غيرها، ولكنه ظل دائم التردد للاطمئنان على ابنتيه: نسرين وسعاد، ولكن دون تأثير حقيقي يذكر على حياتهما.

نسرين في الثامنة عشرة من عمرها، فتاة جادة، تدرك ما تعانيه أمها وتفانيها في عملها وتحمل كل ما تتعرض له من مهانة أثناء أداء شغلها، كما تصمد في وجه التعامل العنصري تجاهها، غالبا بسبب حرصها على الالتزام بنفس ما كانت ترتديه في الجزائر، أي الجلباب الطويل وغطاء الرأس.

ثريا زروال بدت في تعبيرها وحضورها أمام الكاميرا، شخصية طبيعية تماما، لا تمثل بقدر ما تعيش تجربتها الحقيقية

تنكب نسرين على دراستها وتتفوق، ثم تلتحق بكلية الطب وتنتقل للعيش بالقرب من الجامعة في شقة مشتركة مع فتاة فرنسية تختلف عنها في طباعها وسلوكياتها، لكن نسرين لا تنجرف قط في طريق يبعدها عن هدفها الأساسي، أي النجاح.

أما الابنة الثانية، سعاد، فهي في الخامسة عشرة من عمرها، وشخصيتها معاكسة تماما لشخصية نسرين، فهي تهمل دراستها كثيرا، وتصادق فتاة عابثة تخرج معها لمشاكسة الفتية، ثم تنقطع عن الدراسة دون سبب مما يؤدي إلى الكثير من المشاكل مع مديرة المدرسة التي تستدعي فاطمة لسؤالها، ولكن سعاد تشعر أساسا، بالخجل من الوضع الاجتماعي لوالدتها مبدية ازدراءها تجاه عملها كعاملة تنظيف، ومن جهلها باللغة الفرنسية.

ماذا تفعل فاطمة، وقد كتب عليها أن تدخر كل قرش للإنفاق على ابنتيها، وهي تطهي الأطعمة وتحملها وتذهب بها إلى نسرين، وتنهض مبكرا كل صباح ثم تنتظر في البرد مع زميلاتها من النساء من بلدان المغرب العربي، قبل أن تأتي سيارة تنقلهن إلى المصنع، حيث تقضي النهار بكامله في العمل، وتستغل أيام عطلتها في العمل بمنازل الأسر الفرنسية.

وذات مرة، تختبرها إحدى السيدات التي تقوم بتنظيف منزلها، فتعمد إلى ترك بعض النقود في جيب سراويل ابنها، لكي ترى ما إذا كانت فاطمة ستختلسها لنفسها، بينما تحرص فاطمة على ردها للمرأة الفرنسية.

الغيتو العربي

في المشهد الأول من الفيلم، تذهب فاطمة مع ابنتها نسرين وصديقتها لرؤية شقة تريد الاثنتان استئجارها، يقفن جميعهن أمام الباب، تحضر صاحبة الشقة، وبمجرد أن تقع عيناها على فاطمة بردائها المميز، تدعي أنها لم تحضر المفتاح، وأن ابنها أخذه وربما يكون قد أجر الشقة لآخرين، ثم تنصرف.

وكما تعاني فاطمة من المحيط الفرنسي، حيث يُنظر إليها باستعلاء ونفور، تعاني أيضا من نساء مجتمع “الغيتو” العربي، تتشاجر معها إحداهن بدعوى أن ابنتها نسرين تجاهلتها ولم تبادرها السلام كما اعتادت عندما رأتها في الحافلة، تريد أن تقول إن نسرين أصبحت تتعالى عليها بعد التحاقها بدراسة الطب.

زيتا حنروت تفوز بجائزة أحسن ممثلة ناشئة

وتنهر سيدة أخرى نسرين بدعوى أنها لا تساعد والدتها كما ينبغي، في تدخل مباشر في حياتهما، وتكاد نسرين تنهار تحت وطأة الضغوط الشديدة التي تواجهها في دراستها، كما يبلغ الإرهاق والتعب مبلغا بفاطمة نفسها، مع تصاعد مشاحناتها مع سعاد.

تسقط فاطمة من شدة الإرهاق على السلم وتصاب في مرفق ساعدها الأيمن، فتضطر للتوقف عن العمل، وبعد مرور خمسة أشهر، لا تزال تشعر بالألم، لكن الأطباء يتفقون على أن حالتها تسمح لها بالعودة للعمل، وهنا تصبح أمام ما لا مفر منه، وإلاّ انقطعت عنها منحة الضمان الاجتماعي، ثم يبلغ تدهور علاقتها مع سعاد المتمردة إلى حد ترك سعاد المنزل وتذهب للعيش مع والدها.

في أحد المشاهد تقول فاطمة لابنتها نسرين إنها لا يجب أن تنتهي مثلها، عاملة نظافة، وتذكر لها كيف أنها تركت المدرسة في قريتها بالجزائر، ولكن لو أكملت لربما “أصبحت وزيرة لو لم يكونوا يزورون الانتخابات”. ورغم عدم معرفتها بالفرنسية، إلاّ أنها تجيد العربية، وتبدأ كل ليلة في الانفراد بنفسها، وتأخذ في تدوين

خواطرها والتعبير عن مشاعرها، وعن مخاوفها وآمالها، وعن تلك المهانة التي تشعر بها أحيانا، عن قسوة التجربة، ولكنها تعبر أيضا عن تمسكها بكرامتها، وإصرارها على المضي قدما في ما تعتبره رسالتها في الحياة، ليصل ما تكتبه أحيانا، إلى مستوى الشعر.

هذا فيلم يعبر من خلال المواقف المبنية برصانة، بعيدا عن الصخب والتعقيدات المفتعلة، فالأم تظل هي الأساس الذي تدور من حوله باقي الشخصيات، أما الرجل-الزوج فحضوره هامشي، بل إننا لا نعرف له اسما، ولا يبدو أن اهتمامه بنسرين مثلا يخرج عن نطاق تحذيرها من إقامة علاقات مع شباب “غير مناسبين”.

يبتعد الفيلم أيضا عن القوالب النمطية المعروفة التي سادت الكثير من الأفلام الفرنسية، عن العنصرية المباشرة، والاحتكاكات التي تنشأ بين المهاجرين العرب والفرنسيين، ويكتفي بالإشارات البسيطة، إلى شعور فاطمة بالاغتراب عن المحيط، كما يجسد تلك الفجوة بين جيل الآباء من المهاجرين، وجيل الأبناء الذين ولدوا أو نشأوا وكبروا في المجتمع الفرنسي، واكتسبوا بالتالي عادات وتقاليد تتعارض مع تفكير الآباء.

ويترك المخرج-المؤلف، نهاية فيلمه مفتوحة، فربما ستفهم سعاد وتعود إلى والدتها كما ينصحها الأب، ولا بد أن نسرين ستواصل الدراسة إلى أن تتخرج وتصبح طبيبة، وستستمر فاطمة في طريقها رغم كل العقبات.

(فاطمة) فيلم معاصر يطرق موضوعا ساخنا، أصبح الآن في ضوء التداعيات الصاخبة التي تشهدها فرنسا وأوروبا بأسرها، موضوع الساعة

عن الممثلة

رغم أن ثريا زروال التي قامت بدور فاطمة في الفيلم، ليست ممثلة أصلا، بل وتقول بعض المعلومات المنشورة أنها كانت عاملة نظافة حقيقية عندما عثر عليها المخرج فوكون وأسند إليها بطولة الفيلم، إلاّ أنها بدت في تعبيرها وحضورها أمام الكاميرا، شخصية طبيعية تماما، لا تمثل بقدر ما تعيش تجربتها الحقيقية.

صحيح أنها بدت متلعثمة أحيانا، أو محتفظة بقدر من صرامة الوجه، إلاّ أن هذا ربما يكون قد أكسبها أيضا المصداقية، فلم يكن المطلوب المبالغة في الأداء أو استعراض العضلات، بل العيش في الشخصية بوجدانها ومشاعرها، وهو ما نجحت فيه زروال.

ولا شك أن الفضل في وصول معاناة الشخصية إلينا بهذه القوة يعود للمخرج فيليب فوكون الذي عرف كيف يضع الشخصية في المواقف الصحيحة، ومن خلال مداخل درامية تمهيدية جيدة، كما حرص على الالتزام بواقعية تصل أحيانا إلى الطابع التسجيلي.

“فاطمة” في النهاية، فيلم معاصر، يطرق موضوعا ساخنا، أصبح الآن في ضوء التداعيات الصاخبة التي تشهدها فرنسا وأوروبا بأسرها، موضوع الساعة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر