الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الديمقراطية الطائفية والمثقف العراقي والفلاح الشجاع

المثقفون الأوروبيون الذين هزموا البابا وحاصروه بين الجدران بترسهم العلماني وسيفهم العقلاني نزلوا لمواجهة الأصولية الإسلامية.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/08/28، العدد: 10379، ص(11)]

تقع على المثقف العراقي اليوم مسؤولية أخلاقية كبيرة، فمشكلة التطرف أصبحت عالمية. كان الحلم بانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، بمثابة مصالحة ممكنة بين الإسلام والحداثة، إلا أن ذلك لم يحدث، والانقلاب العسكري الأخير كشف عن خصومة جوهرية بين العالم الحديث والإخوان المسلمين. وبوجود داعش في العراق والشام لا أمل لنا إلا بالخليج ومصر والمغرب الكبير لإيجاد حلول عربية للمحنة.

إن التنوير في ألمانيا لم يظهر إلا بعد حرب الثلاثين عاما (1618-1648) وهي الحرب التي اكتسحت البلاد والعباد ودمّرت ما لا يقلّ عن ثلث السكان. بعدئذ أخذ المثقفون الألمان يطرحون السؤال: لماذا نقتل بَعضنا بعضا على الهوية؟ لماذا يحقد الكاثوليكي على البروتستانتي؟ وهو السؤال الذي يجب أن يبدأ بطرحه المثقف العراقي على نفسه.

لعلّ سلطة الماضي في مجتمعنا الأصولي مطلقة، فالشيخ الجليل الذي يتحدث على الفضائية، يعادل في تأثيره جميع المثقفين العرب مجتمعين. إن العلمانية العربية لا تستطيع هزيمة الأصولية الدينية العملاقة بمفردها. المكان الوحيد الذي هُزمتْ فيه الأصولية الدينية هو الغرب. المثقفون الغربيون صارعوا الكنيسة لخمسة قرون وهزموها، وهؤلاء أنفسهم قد نزلوا للصراع مع الأصولية الإسلامية. كما نرى من تدخل ريتشارد داوكنز في نقد الإخوان المسلمين في تركيا، وبدأت الصحف الأميركية تترجم مقالاتها إلى اللغة العربية.

المثقفون الأوروبيون الذين هزموا البابا وحاصروه بين الجدران بترسهم العلماني وسيفهم العقلاني نزلوا لمواجهة الأصولية الإسلامية. إن شعورنا بالانتماء يجعلنا ننزعج من صراع بين ثقافتنا وبين المثقف الغربي، ولكن ماذا نفعل إذا كان المثقف العربي ضعيفا؟

لماذا القلق من مشاركة المثقف الغربي؟ أليس الكاتب البريطاني هارولد بنتر أشهر من قاوم احتلال الولايات المتحدة للعراق ووصف جورج بوش بـ”القاتل بالجملة” وشبهه بهتلر؟ أليس تقرير تشلكوت الأخير أدان توني بلير على مشاركته بغزو العراق، وأثبت بالأدلة أن احتلال العراق وتخريبه كان خطأ؟

ثم كيف لا يتدخل المثقف الغربي في الحوار ضد التطرف الإسلامي؟ إذا كان هناك مسلم يقود شاحنة ويحولها إلى سلاح ويصدم بها المحتفلين بيوم الباستيل في فرنسا ويقتل 100 فرنسي، أليس الرئيس الفرنسي محقا بقوله إن ذلك اعتداء رمزيّ على قيم فرنسا وثورتها التنويرية في العالم؟ أليس هذا عدوانا على الفيلسوف هيغل والشاعر هولدرلين والفيلسوف شيلنغ العظماء الثلاثة الذين رقصوا فرحا حين سمعوا بالثورة الفرنسية، ونصبوا لها شجرة تيمنا بها أطلقوا عليها “شجرة الحرية”؟

من أهم أسباب الإرهاب هو أنّنا أمّة مازالت مجروحة. فكيف أتيح للغربيين التفوق علينا ونحن مفضلون عند الله؟ ألسنا أصحاب الحق وغيرنا من أصحاب الضلال؟ ألم نكن مركز العالم في القرنين التاسع والعاشر في بغداد؟ ألم تكن القاهرة الفاطمية مركز العالم في القرن الحادي عشر ثم القاهرة المملوكية في القرن الثالث عشر؟ ألم تكن قرطبة المسلمة معجزة عمرانية وأكبر المدن في أوروبا.

لو راجعنا خطابات الدولة الإسلامية خصوصا خطابات البغدادي والعدناني، فإنها تركز على هذا الجرح الحضاري القديم. فهم يشعرون بأنهم أهل الحق والإيمان وأنهم يبشرون العالم وليس العالم يبشرهم، ولا يريدون شيئا من الغرب سوى التكنولوجيا والمال. وهو موقف مشابه لليابان قبل الحرب العالمية الثانية، ذلك الموقف الذي أدى إلى فاشية يابانية متغطرسة لم تنته حتى استسلام الإمبراطور بضغط القنابل النووية الأميركية.
العلمانية العربية لا تستطيع هزيمة الأصولية الدينية العملاقة بمفردها

إن معركة المرء مع تراثه من أصعب المعارك لأنها تعني عندئذ معركته مع وجدانه. أبو التنوير الأوروبي الفيلسوف ديكارت بدأ نقده الشهير بالعبارة التالية “كنت قد اكتشفت منذ زمن طويل أنّي تلقيت مجموعة كبيرة من الأفكار الخاطئة في سنوات عمري الأولى” أي أنّ على المثقف العراقي إعادة النظر في ذاكرته وطفولته ونقد الأفكار الخاطئة بشجاعة.

هناك نائبة عراقية عن محافظة البصرة اسمها سوزان السعد ليس لها سوى تصريح واحد يدعو إلى تأسيس وزارة خاصة بزيارة المراقد الشيعية. حين تسمع بهكذا أشياء تشعر بعبثية الديمقراطية في العراق. من المعروف أن فرنسا لم تسمح للنساء بالتصويت حتى عام 1945 حين قرّر ديغول السماح لهنّ بذلك. لقد انتظرت فرنسا 150 سنة بعد الثورة الفرنسية والحياة الليبرالية، حتى تحقق الوعي الكافي بالتعليم والتربية للتحول إلى ديمقراطية، لا خوف منها على المبادئ الليبرالية لفرنسا.

لقد علمتني زيارتي الأخيرة إلى لندن أشياء كثيرة. منها أن الحاج محمد الخلف الفلاح الذي كان يعيش في قرية نائية شمال البصرة شجع ابنته على الدراسة والسفور، وكانت الأستاذة هيفاء؛ تخرج بشعرها الجميل من منتصف غابات النخيل وتقف على الشارع العام كنشيد تنويري عظيم ثمانينات القرن الماضي. هذا الأب كان يطمح إلى بناء مدينة مشابهة للندن وفانكوفر في البصرة.

الحاج محمد الخلف يعرف بأنه لا جدوى من ديمقراطية طائفية تقودها النائبة عالية نصيف أو النائبة حنان الفتلاوي تلك التي تلعب بحجابها على الفضائيات وتنفث سمومها المذهبية.

كان ذلك الفلاح البسيط رائدا عظيما مثله مثل الزهاوي والرصافي والجواهري وعلي الوردي. يستنبط الأرض ويحلم بمستقبل مضيء للعراق. هؤلاء هم عظماء الشيعة وليس الحكيم والصدر والمالكي. الفلاح محمد الخلف طيبة قلب الوطن، وكرامة العقل العراقي.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر