الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

مدن الشعر

في الشعر العربي كما في الشعر العالمي تتوزع مدن الشعراء بين مدن الحب والجمال ومدن اللعنة والزجاج، ولعل قصيدة لوركا في هجاء نيويورك التعبير الأرقى عن ذلك.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/08/30، العدد: 10381، ص(15)]

تجربة في المدينة في الشعر العربي الحديث كانت في صدارة الموضوعات الجديدة في تجربة قصيدة التفعيلة، التي شكلت تحولا هاما في بنية القصيدة والوعي الجمالي والفكري عند شعراء تلك المرحلة، لذلك لم يكن هذا الحضور المكثف للمدينة في هذه التجربة معزولا عن سياقه الاجتماعي والثقافي الذي كانت تحولات القصيدة العربية الحديثة في جزء مهم منها تعبيرا عنه وتمثلا له. وعلى الرغم من أن المدينة في هذه التجربة اتسمت في الغالب بسمات سلبية، لأسباب عديدة كانت أهمها صدمة المدينة بسبب حداثة التجربة، إلا أن حضورها المكثف في تجاربهم كان تعبيرا دالا على المعاني التي اكتسبتها في القصيدة الجديدة، كتجربة ورمز ودلالة.

لقد ارتبط هذا الحضور بصعود دور المدينة الثقافي والاقتصادي والسياسي، ولذلك لم تكن دلالة هذا الحضور تتعلق بالقيمة الرمزية للمدينة وحسب، بل بالأبعاد التي باتت تمثلها في تلك المرحلة على مستوى التجربة والوعي بالنسبة إلى الشاعر، في مرحلة كانت تعيش فيها مدن المركز نهوضا سياسيا وثقافيا واجتماعيا واعدا، ترافق مع انتعاش كبير للأحلام القومية والاجتماعية. كل هذا جعل المدينة تنطوي على دلالات وأبعاد رمزية واسعة ومتعارضة في آن معا، فهي مدينة بلا قلب عند عبدالمعطي حجازي، ومدينة الثورة والحرية والحلم والشمس عند عبدالوهاب البياتي، إضافة إلى أنها مدينة الشحاذين والمشانق والخوف، بينما هي عند صلاح عبدالصبور رغم خضرة أيامه التي تموت فيها، مدينة عشقه وأشواقه.

رمزية المدينة في هذه التجربة تبدت إما من خلال صورتها في مخيال الشاعر، وإما في الوعي الأيديولوجي والاجتماعي للشاعر، وهو ما يفسر الاستدعاء المكثف لمدن تحمل رمزيات حضارية وتاريخية هامة في المخيال العربي، مثل مدن دمشق وبغداد وقرطبة وسمرقند وشيراز وغرناطة، في حين أن مدينة كدمشق انطوت دلالاتها الرمزية على معان متناقضة، تعكس طبيعة الوعي السياسي والاجتماعي، التي تعبر عنها قصيدة الشاعر. فإذا كانت دمشق هي مدينة الشمس التي لا تغيب عند عبدالوهاب البياتي، والمدينة التي وقف سعدي يوسف غريبا على أبوابها، يبحث عن مجدنا الحضاري الغارب، أو هي التي تسير فيها السماوات على طرقاتها القديمة عند محمود درويش، فإنها لم تتجاوز في رمزيتها المدينة المومس ومدينة الضياع والغربة عند شعراء الموجة الريفية في سوريا، بما في ذلك أدونيس الذي لم ير فيها سوى امرأة عارية، ضائعة الفخذين.

في الشعر العربي كما في الشعر العالمي تتوزع مدن الشعراء بين مدن الحب والجمال ومدن اللعنة والزجاج، ولعل قصيدة لوركا في هجاء نيويورك التعبير الأرقى عن ذلك.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر