الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

الفلسفة والأيديولوجيا

إذا كان الأيديولوجي محتاجا إلى الفيلسوف، فإن الفيلسوف على العكس من ذلك، يسعى لتشكيل العقل متحررا من الأيديولوجيا.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/08/30، العدد: 10381، ص(14)]

‏‫كتبنا عن الفلسفة وأهميتها في تشكيل الوعي بالسؤال، وتنمية الحس النقدي بالعالم وبالفكر، والفلسفة ليست سوى محاولة للكشف عن الحقيقة الواقعة في قلب الوجود الإنساني، سواء نجحت في ذلك أم لم تنجح، ولهذا فإن أسئلتها هي أسئلة الواقع نفسه. أسئلة الإنسان الذي تؤرقه مشكلات وجوده.

ولما كانت الحقيقة سيرورة في ظهورها ولن تصل إلى نهاياتها، وقابلة للدحض والتجديد والقطيعة فإنها، أي الفلسفة، لا تقف في أي مرحلة من المراحل عن تجديد أسئلتها وأجوبتها، فالوجود الإنساني-التاريخي هو تعينات قومية ثقافية اقتصادية اجتماعية، ولهذا فالفلسفة ذات علاقة صحيحة مع هذا الوجود وأشكال وعيه في العلوم الأخرى. من هنا تتحدد وظيفة الفلسفة بوصفها وسيلة التنوير بلا منازع وتمايزها عن أشكال الوعي الأخرى.

وقائل يقول إنك تعطي الفلسفة هنا وظيفة أيديولوجية ، فهل هناك علاقة بين الفلسفة والأيديولوجيا؟ تقول فرضيتنا أن الوظيفة الأيديولوجية للفلسفة لا تحيل الفلسفة إلى أيديولوجيا.

فالأيديولوجيا كما أفهمها هي نمط من الوعي يعكس الأهداف العملية للفئات والطبقات الاجتماعية أو الأمم، وتتحول إلى محرضة للسلوك الاجتماعي-السياسي أي أن المصالح الآنية للبشر غالبا ما تختفي وراء الأيديولوجيا، حيث لغة الخطاب هنا ليست بالضرورة متطابقة مع المصالح، وإن كانت تعبر عنها، ثم إن هناك علاقة مباشرة في بعض الأحيان بين الأيديولوجيا والمصلحة، وبالتالي لا تعتبر الحقيقة مطلبا من مطالب الأيديولوجيا، وإن كانت الأيديولوجيا تتحول إلى حقيقة مطلقة بالنسبة إلى معتنقيها، ولهذا فإن الخطاب الأيديولوجي جامع لكل تناقضات الوعي، حيث تجتمع فيه النزعات العقلانية واللاعقلانية، والبرهان والإيمان، العاطفي والمنطقي الأسطوري والتاريخي.

إن الأيديولوجيا إذ تستعير من كل أشكال الوعي مادتها المعرفية من العلم والدين والفلسفة والتاريخ فإنها تقوم بترتيب ما بين هذه المواد المعرفية، وعندها تكون حاجتها إلى الفلسفة كبيرة لكي تعطي لنفسها طابعا كليا عاما، إنها تأخذ من الفلسفة بعض مفاهيمها بعد أن تفقدها دلالتها الفلسفية ووظيفتها الفلسفية وتحولها إلى وظيفة أيديولوجية. هذا ما فعلته الفاشية عندما أخذت فلسفة الدولة من هيغل، وهذا ما فعلته النازية عندما استعارت مفهوم السوبر مان من نيتشه، وهذا ما فعله فوكوياما عندما أخذ عن الفيلسوف الروسي-الفرنسي كوجييف تطويره لفكرة نهاية التاريخ الهيغلية.

هذا يعني أن الأيديولوجي بحاجة إلى الفيلسوف كي يعزز أطاريحه الأيديولوجية بفكرة فلسفية كلية، ولكن بعد أن يقتلعها من سياق الفلسفة ويسكنها منظومته الأيديولوجية.

وإذا كان الأيديولوجي محتاجا إلى الفيلسوف، فإن الفيلسوف على العكس من ذلك، يسعى لتشكيل العقل متحررا من الأيديولوجيا. ‏‫

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر